الرئيسة \  تقارير  \  الصراع على سوريا

الصراع على سوريا

27.07.2025
ناصر زيدان



الصراع على سوريا
ناصر زيدان
المدن
السبت 26/7/2025
في استعادة لعنوان كتاب الصحفي والمؤرخ البريطاني الشهير باتريك سيل "الصراع على سوريا"، الذي صدر في العام 1986، يمكن الاستدلال بوضوح أكثر على ما يجري حالياً حول سوريا، وفيها، حيث التجاذبات الإقليمية والدولية في أوجها، والاقتتال الدامي يأخذ أشكال بالغة الخطورة، وبين الوضعية الأولى التي تؤشر لتنافس حامي بين تركيا وإسرائيل على وجه التحديد، والوضعية الثانية التي لا تبعث على الاطمئنان؛ تُبذَل جهود عربية كبيرة لإنقاذ الشقيقة المُتميزة، لما لها من مكانة جيوسياسية وتاريخية وديمغرافية لا تتمتع بمثلها كثير من الدول.
وإذا كان باتريك سيل قد سلَّط الضوء تحديداً على ما حصل بين العام 1945 والعام 1958، أي خلال مرحلة ما بعد الاستقلال في سوريا وبدء تبلور الثنائية القطبية العالمية ووثوب الفكرة القومية العربية (أو الناصرية) إلى واجهة الميدان الشرق أوسطي، وما كان لسوريا من أهمية إبان نكبة اغتصاب فلسطين وإعلان "دولة إسرائيل" عام 1948، وكذلك في مشاريع الاستقطاب العالمية بين "حلف بغداد" الأميركي و"التمدُّد الشيوعي" السوفياتي، وبين المحورين العربيين الصاعدين والمتنافسين آنذاك؛ فإن الصراع الحديث على سوريا، لا يقلّ أهمية، بل ربما يفوق بأهميته تلك الأحداث الغابرة، وقد يطغى على الخصائص الوازنة لدورها خلال توترات السنوات الثلاثين المُنصرمة، لا سيما على الساحتين اللبنانية والفلسطينية.
يتصدر دور تركيا في سوريا المشهد، ولا يمكن إنكار تأثيرها خلال مرحلة إسقاط نظام بشار الأسد حتى اليوم. في حين أن لإسرائيل أطماعاً لا تخفيها في البلد الجريح، وهي تتطلع لشرذمته، ومنعه من أخذ أي دور قد يُهددها أو يكبح جماح عدوانها في المستقبل. أما الجانب العربي فقد أشهَرَ الدعم القوي للإدارة الدمشقية الجديدة، وأغدق عليها المساندة والمساعدة بعاطفةٍ قلَّ نظيرها، آخرها إبرام اتفاقات استثمارية سعودية فيها بقيمة تصل إلى 6.4 مليار دولار، ومن الواضح أن النوايا العربية تهدف لإخراج سوريا من بين "أنياب" المتصارعين عليها، وإعادتها إلى الحضيرة العربية التي افتقدت لها خلال ما يقارب 15 عاماً مضت.
لكن يبدو أن الإدارة الجديدة في سوريا، لم تتعامل حتى الآن بالمستوى المُلائم مع الأخطار المُحدِقة، ولا هي تصرفت بما يتناسب مع أهمية البلاد التي كانت عبر التاريخ حاضنة للتنوُّع والانفتاح، ولم يسبق أن انغمست في التعصُّب الديني أو العرقي الذي يلفها اليوم، والمكونات السورية كافة تبنَّت شعار الثورة الكبرى التي قادها سلطان باشا الأطرش مع زعامات أخرى ضد الاستعمار الفرنسي عام 1925 "الدين لله والوطن للجميع"، والتجربة البعثية التي دامت ما يقارب 60 عاماً، أخفت التناحر الطائفي إلى حدٍ ما، وتحوَّل التنافس فيها إلى صراع بين القيادات العسكرية النافذة، برغم الموبقات التي حصلت خلال هذه الحقبة أيام حكم حافظ وبشار الأسد، حيث مورس الاستبداد الشخصي أو المذهبي بقوالب علمانية، ولو كان بالشكل فقط.
لا يمكن اعتبار تجربة الإدارة السورية الجديدة مثالية حتى الآن، فلا هي أسست لثقة دامغة مع المكونات المجتمعية السورية المختلفة، ولا أرست قواعد حُكم شفافة يمكن الركون إليها لسدّ الثغرات الكبيرة التي برزت في مجالات الأمن والعدل والتعليم والسياحة على وجه التحديد، فهي ما زالت تستثمر بحالة العداء الكبير من قبل السوريين للنظام البائد، وتستخدم مناصريها من "ميليشيات هيئة تحرير الشام" كفزاعة لضمان عدم استهدافها من أية جهة داخلية، في حين أن "صوفة" هذه الميليشيات حمراء قاتمة عند غالبية السوريين، لناحية نمطية عقيدتهم المُتشدِّدة، والتي تتبنى التعصُّب الديني، وتُهمل الجوانب العلمية والمدنية السمحاء للإسلام، ولم يُسجِّل لهذه الميليشيات أية إيجابية حتى الآن، سوى مساهمتها الوازنة في إسقاط نظام الأسد.
تتحمَّل الإدارة الجديدة المسؤولية الكبرى عن خروج الصراع الداخلي إلى المستنقع الدامي بعد سقوط النظام، ولم يكُن هناك أي مُبرر للإقتتال، ولا لممارسة الأعمال الشنيعة بمناسبة القضاء على الفلول، أو في الطريق إلى ضبضبة الوحدة المنشودة التي أصابها بعض التشرذم، ولا يكفِي شيطنة شخصيات معارضة للهروب من المسؤولية الوطنية، حتى ولو كان عدد من هؤلاء ارتكبوا معاصٍ مستنكرة، أو طلب البعض الآخر حماية خارجية بمبررات الخوف من ممارسات بعض الأجهزة أو خشيةً من المتفلتين، بينما نرى "تدليل" مكونات أخرى (مثل قسد على سبيل المثال) بحوار ندي، وبإقامة مراسم بروتوكولية بمناسبة توقيع اتفاقيات معهم، لأنهم مدعومون من الولايات المتحدة، وتحتاج تركيا لإسكاتهم ومحاصرة حراكهم، وقسد تطالب علناً بالفيدرالية التي لا تستسيغها الإدارة الجديدة، في حين أن نشطاء السويداء يطالبون بدولة عادلة تحفظ الأمن وحرية التعبير والتنمية المتوازنة وليس فيها تذويب ولا طغيان.
الصراع المُعاصر على سوريا أشدُّ قسوةً من الصراع القديم عليها، والدماء التي سقطت من الفئات التي نجت من ارتكابات النظام السابق – لا سيما في السويداء والساحل – كانت وبالاً على الإدارة الجديدة، بقدر ما كانت كارثة فعلية على الضحايا. فالدولة "أم الصبي" ولا يجوز أن تستهتر بدماء أبنائها، وهي مطالبة بأن تصرُف الدعم العربي والدولي المُرحب به في المكان الصحيح، وأن تؤمن ظروفاً مناسبة لتدعيم الوحدة الوطنية عبر الحوار والمصالحة، وليس عبر تحشيد المكونات ضد بعضها بعضاً، واستدراج العصبيات والغرائز اللعينة التي تحوِّل كل المواطنين إلى مشاريع ضحايا أو إلى قَتَلة مُحتملين بدافع حفظ النفس.