الرئيسة \  تقارير  \  السويداء في قلب خطط نتنياهو

السويداء في قلب خطط نتنياهو

21.07.2025
فاطمة ياسين



السويداء في قلب خطط نتنياهو
فاطمة ياسين
العربي الجديد
الاحد 20/7/2025
تقرّر إسرائيل، الأسبوع الماضي، أن توجّه ضربات مباشرة للقوات السورية التي كانت على أطراف السويداء، فتقتل جنوداً من هذه القوات على مدخل المدينة. ويؤكد نتنياهو موقفه الرافض أي وجود مسلح "رسمي" في الجنوب السوري، فيضرب بكثير من العنجهية مبنى الأركان السورية في منتصف العاصمة دمشق، ما يؤدّي إلى تدمير أجزاء منه، ويوجه ضربة أخرى قريبة من قصر الشعب الذي يقيم فيه الرئيس أحمد الشرع، مطالباً بخروج القوات التابعة للدولة من السويداء فوراً.
تتراجع قوات الجيش السوري والأمن المرافق منسحبة من محافظة السويداء، مخلية جميع المواقع التي كانت قد تمركزت فيها في الجنوب، لتعود أدراجها إلى مواقعها الأولية. وبعد ساعات، ظهر الشرع موجهاً خطاباً قاسياً إلى إسرائيل، واصفاً إياها بالكيان المحتل الذي يعمل على استهداف استقرار سورية وخلق الفتن بين أبناء الشعب منذ إسقاط النظام البائد، مغلّباً خيار الدبلوماسية والوساطات السياسية، ومتعهّداً بحماية الدروز في السويداء باعتبارهم جزءاً أساسياً من النسيج السوري.
كانت السويداء من المحافظات التي شاركت في السنوات الأخيرة بالثورة على نظام الأسد، وهي وإن لم تنخرط فعلياً في عمليات التسليح ومقاومة النظام بالقوة، إلا أنها رفضت إلحاق كثيرين من أبنائها في الجيش، وتحصّنت داخل مركز المحافظة، مبقية على تعاون طفيف مع النظام يجعلها على قيد الحياة، وكان أوار الثورة داخلها يشتدّ ويضعف، بحسب ظروف المرحلة. وحين اقتربت فصائل المعارضة المسلحة من دمشق، تولّى أبناء السويداء عملية إخراج بقايا النظام من مدينتهم، والحلول في مكانهم، وتسيَّد الموقف رجال الدين، الذين تولوا عملية القيادة العسكرية والروحية، وانقسمت هذه القيادات داخلياً بحسب موقفها من نظام الحكم الجديد، فجزء كبير وقف ضد حكومة الشرع، وبالغ في معارضته واتهمها بالطائفية والتطرّف، ورفض أية يد ممدودة للتعاون، من دون أن يقبل حتى الحديث في الأمر، مبقياً على نبرة التحدّي عالية، وقسم آخر أراد أن يندمج بالدولة الجديدة وبدء صفحة بيضاء. وفي ضوء هذا الانقسام، شهدت السويداء نوعين من الصراعات، أحدهما داخلي بين تلك التيارات ومع البدو والعشائر في الجوار، وبعضها مع ممثلي الحكومة الذين أُرسِلوا لشغل الوظائف العامة، واستمرّت التصريحات والتصريحات المضادة أشهراً، مع إبقاء المظهر العسكري واضحاً وكثيفاً ومتحفّزاً.
لا ترغب إسرائيل في تجاهل هذا المشهد الواقع على مسافةٍ قريبة منها، وهي التي سارعت إلى توسيع المنطقة العازلة التي أقرّتها اتفاقية فصل القوات عام 1974، فتجاوزتها واحتلّت أجزاءً من جبل الشيخ، ونفذت عمليات قصف وتوغّل. حينها فضلت حكومة الشرع الوليدة التعقل والصبر، مع ترك الأمر لدول صديقة لتتعامل معه. وصلت إسرائيل إلى الجانب المتمرّد داخل السويداء، ولا بد أنها أجرت اتفاقاتٍ معه عبر أطراف، وقد تلقّى هذا الجانب تشجيعاً من خلال الإعلام والتصريحات الرسمية الإسرائيلية، وهي حالة عدم استقرار ترغب إسرائيل في إحداثها ضمن مجالها الحيوي الذي ما زالت تعمل على توسيعه عبر الحدود مع سورية ولبنان. وهنا صبرت حكومة الشرع مرّة أخرى، من دون أن يختفي الشعور بالمرارة، ومارست ما يمكن وصفه بالتعقل الإجباري.
وقبل أيام، وعلى خلفية اقتتال محلي نشب بين أبناء محافظة السويداء، أرسلت الحكومة قواتها لفرض السيطرة، مع ما يمكن أن تحمله صراعاتٌ مسلّحة من هذا النوع، بعضها شعبي وبعضها مع عناصر أمن قليلي الخبرة، من مشاهد عنف مؤلمة. وهنا تقوم إسرائيل بالشقّ الخاص بها بتنفيذ هجماتٍ كان بعضها مؤذياً مادياً، وآخر معنوياً، مخلفة غمامة قاتمة فوق سورية. وبعد أن دمّرت سابقاً مقدّرات الجيش السوري خلال الأيام الأولى من التحرير، تمضي اليوم حكومة نتنياهو المتطرّفة إلى تحويل سورية إلى ساحة حرب جديدة، تؤجل فيها كل مشاريع التنمية الاقتصادية والمجتمعية إلى حين.