الرئيسة \  تقارير  \  السويداء بين مطرقة العنف وسندان السياسة: ماذا تريد إسرائيل؟

السويداء بين مطرقة العنف وسندان السياسة: ماذا تريد إسرائيل؟

22.07.2025
صادق الطائي



السويداء بين مطرقة العنف وسندان السياسة: ماذا تريد إسرائيل؟
صادق الطائي
القدس العربي
الاثنين 21/7/2025
تشهد محافظة السويداء في جنوب سوريا تصعيدا دمويا غير مسبوق، أعاد إلى الأذهان أبشع فصول الحرب السورية، فقد تجددت الاشتباكات بين مقاتلي ميليشيات من الطائفة الدرزية ومسلحي القبائل البدوية من الطائفة السنية، الساكنين في المنطاق المحيطة بمحافظة السويداء، وتدخّلت إسرائيل عسكريا وسياسيا، معلنة مواقف أثارت جدلا واسعا حول أهدافها الحقيقية من هذا التدخل.
بدأت الأحداث في السويداء عندما تصاعدت مشادات محلية بين دروز وبدو تحولت إلى مواجهات مسلّحة. وذكرت وكالة رويترز في تقريرها الإخباري الذي غطى الأحداث: أن “محافظة السويداء السورية تهتز لأيام من العنف، أكثر من 300 قتيل سقطوا في الاشتباكات الأخيرة، حسب جماعة حقوقية”. كما أشارت جريدة “الغارديان” البريطانية نقلا عن المرصد السوري لحقوق الإنسان، إلى أن “516 مدنيا ومقاتلا قُتلوا، بينهم 86 مدنيا، على يد القوات الحكومية وحلفائها، و3 مدنيين بدو على يد مقاتلين دروز”.
وقد انخرطت القوات الحكومية السورية بداية في القتال إلى جانب البدو ضد الدروز، لكنها وحسب صحيفة “الغارديان”: “بدأت بالانسحاب من محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، منهية أربعة أيام من الصراع”. وقد أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع: “أن الحكومة اختارت تجنب جر البلاد إلى حرب جديدة أوسع قد تخرجها عن مسار التعافي.. اخترنا مصالح السوريين على الفوضى والدمار”. لكن مع انسحاب القوات الحكومية، شنّ مقاتلو الدروز هجمات وصفتها وسائل الإعلام الرسمية السورية بأنها “انتقامية” على قرى بدوية، ما أدى إلى نزوح واسع وقتلى في صفوف المدنيين. ونقلت “الغارديان” عن سكان من البدو: أن “مجموعات مسلحة من الدروز اقتحمت قراهم وأحرقت منازلهم”. في خضم هذه الفوضى، تدخلت إسرائيل عسكريا وسياسيا في الصراع، في خطوة وصفت بأنها غير مسبوقة، من حيث النطاق والصراحة. فقد أعلنت إسرائيل يوم الجمعة الماضي، حسب وكالة رويترز، أنها سمحت لقوات الأمن السورية بالدخول إلى السويداء لمدة 48 ساعة “في ضوء حالة عدم الاستقرار المستمرة في جنوب غرب سوريا” . في المقابل، شنّت إسرائيل غارات جوية على مواقع سورية في السويداء ودمشق. وأكد الجيش الإسرائيلي، أن هذه الضربات كانت رسالة مباشرة إلى الرئيس السوري. وقال المتحدث العسكري الإسرائيلي: “الضربات كانت رسالة إلى سوريا بشأن الأحداث في السويداء”.
كما أوضحت الحكومة الإسرائيلية نيتها الدفاع عن الدروز في سوريا، استجابة لضغوط مجتمع الدروز في إسرائيل، إذ تعهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قائلا: “إسرائيل ستواصل استخدام الوسائل العسكرية لفرض خطيها الأحمرين في سوريا؛ نزع السلاح في المنطقة الممتدة من جنوب العاصمة دمشق حتى الحدود، وحماية الأقلية الدرزية هناك”. وقال في بيان مصوّر: “لقد أرسل النظام السوري جيشا إلى منطقة يجب أن تكون منزوعة السلاح، وبدأ بمجزرة بحق الدروز. لم يكن بإمكاننا قبول هذا بأي شكل من الأشكال. وقف إطلاق النار الذي أعلنه الشرع في السويداء تم تحقيقه بالقوة، وليس عبر الطلبات ولا عبر التوسل.. بالقوة”، وأضاف: “لقد تصرفنا، وسنواصل التصرف عند الضرورة”.
إلى جانب التدخل العسكري، أعلنت إسرائيل عن إرسال مساعدات إنسانية عاجلة إلى الدروز في السويداء. وذكرت وزارة الخارجية: “في ضوء الهجمات الأخيرة التي تستهدف الطائفة الدرزية في السويداء، والوضع الإنساني الحاد في المنطقة، أمر وزير الخارجية جدعون ساعر بنقل مساعدات إنسانية عاجلة إلى السكان الدروز في المنطقة”. وتشمل المساعدات طرودا غذائية وإمدادات طبية بقيمة (600) ألف دولار. لكن ما هي الأهداف الإسرائيلية الحقيقية التي تقف وراء تدخلها السافر في شأن سوري داخلي؟ يمكن قراءة التحرك الإسرائيلي في السويداء على عدة مستويات. فعلى السطح ومن باب التسويق الإعلامي، كانت حجة حكومة نتنياهو هي؛ أن تحرك إسرائيل عسكريا جاء استجابة للتخفيف من معاناة الدروز في سوريا، إذ قال نتنياهو إن إسرائيل “لن تقبل بمجزرة بحق الدروز”. كما أوردت الصحف الإسرائيلية: إن “الطائفة الدرزية في إسرائيل طالبت حكومة نتنياهو بالتدخل لحماية إخوتهم عبر الحدود”. أما في العمق، وعلى المستوى السياسي، فيبدو أن إسرائيل تسعى لتثبيت معادلة أمنية جديدة في جنوب سوريا، إذ شدد نتنياهو على “نزع السلاح جنوب دمشق” وحماية الدروز باعتبارهما خطين أحمرين. بينما وصف المتحدث العسكري الإسرائيلي حكام سوريا الجدد بأنهم “جهاديون مقنّعون بالكاد”، وقد ألمح الرئيس السوري أحمد الشرع إلى أن الضربات الإسرائيلية كانت محاولة “لدفع الأمور إلى تصعيد واسع النطاق”، لولا تدخل وساطات أمريكية وعربية وتركية حالت دون ذلك. كما اتهم الشرع إسرائيل بـ”استهداف واسع النطاق للمنشآت المدنية والحكومية”، محذرا من أن الضربات قد تجر المنطقة إلى “مصير مجهول”.
وفي خطابه، حاول الرئيس السوري امتصاص الغضب الشعبي الدرزي، وأقر بوقوع تجاوزات، مشددا على أن الدروز “تحت حماية ومسؤولية الدولة”. وقال: “نحن مصممون على محاسبة كل من أساء أو ألحق الأذى بإخوتنا الدروز”، لكن الانقسامات داخل المجتمع الدرزي نفسه بدت واضحة. فقد صرّح أحد الشباب الدروز: “أفضل أن أموت على أن يُحكم عليّ من قبلهم. على الأقل سأموت بكرامة”. كما أن مواقف شيوخ العقل – وهم المرجعية الدينية العليا للطائفة الدرزية – تباينت وتضاربت ، فبينهم من كان متشددا تجاه الحوار مع حكومة دمشق، بينما رحب آخرون بالتهدئة والحوار. ويوجد في السويداء ثلاثة من أبرز شيوخ العقل وهم: يوسف جربوع، حمود الحناوي، وحكمت الهجري. الشيخ يوسف جربوع عرف بدعمه لنظام بشار الأسد سابقا، لكنه مع تصاعد الأحداث أعلن عبر التلفزيون الرسمي هدنة جديدة مع دمشق لاستعادة الاستقرار بعد مواجهات دموية. أما الشيخ حكمت الهجري، فقد رفض اتفاق وقف إطلاق النار مع الحكومة، مؤكدا “ضرورة الاستمرار في الدفاع المشروع، واستمرار القتال حتى تحرير كامل تراب محافظتنا من هذه العصابات، دون قيد أو شرط، ونعتبر ذلك واجبا وطنيا وإنسانيا وأخلاقيا لا تهاون فيه”. بينما يتميز موقف الشيخ حمود الحناوي بالعقلانية والوسطية، التي تدعو إلى الحوار الوطني والحفاظ على السلم الأهلي، ويرفض تفتيت سوريا. ويشدد الحناوي على ضرورة ضبط السلاح عبر مؤسسات الدولة وليس الأفراد. كما يرفض التدخل الأجنبي في سوريا، وشارك مع شيوخ آخرين في بيان يرفض تدخل الأجهزة الأمنية دون توافق محلي، وطالب بحماية دولية مؤقتة لحماية المدنيين.
من جانبها قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض للصحافيين يوم الخميس 17 يوليو الجاري أن خفض التصعيد في سوريا يبدو مستمرا. وأضافت كارولين ليفيت، أن الولايات المتحدة “تراقب الوضع عن كثب”. كما قال مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية لوكالة رويترز، إن سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا لم تتغير، لكن “يجب على جميع الأطراف التراجع والانخراط في حوار جاد، يؤدي إلى وقف إطلاق نار دائم”. وأضاف المسؤول: “يجب على الحكومة التحقيق في جميع تقارير الانتهاكات ومحاسبة الجناة”. كما دعت وزارة الخارجية الفرنسية يوم الخميس 17 يوليو إلى احترام وقف إطلاق النار في السويداء، وإجراء تحقيق في الانتهاكات ضد الأقليات، ووقف إسرائيل للإجراءات الأحادية. وقالت الوزارة، إن وزير الخارجية الفرنسي جان- نويل بارو أجرى محادثات في الأيام الأخيرة مع نظيريه السوري والإسرائيلي حول القضية.
في غضون ذلك، قال مكتب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: “إسرائيل، تستخدم مشكلة الدروز كذريعة لتوسع بلطجتها إلى سوريا المجاورة، على مدى اليومين الماضيين”. وقال الرئيس أردوغان في خطاب متلفز بعد اجتماع حكومته الأسبوعي: ” أريد أن أكرر بوضوح: إسرائيل دولة إرهابية غير قانونية، متغطرسة، عديمة المبادئ، مدللة، وجشعة”. وأضاف: “في هذه المرحلة، أكبر مشكلة في منطقتنا هي عدوانية إسرائيل.. إذا لم يتم إيقاف هذا الوحش فورا، فلن يتردد في إشعال منطقتنا، ثم العالم كله”.
تكشف أحداث السويداء الأخيرة عن تداخل معقد بين الانقسامات الطائفية السورية، والمصالح الإسرائيلية، والضغوط الدولية. فمن جهة، تسعى إسرائيل لتثبيت نفوذ أمني وسياسي في جنوب سوريا تحت غطاء حماية الدروز. ومن جهة أخرى، تحاول دمشق احتواء الأزمة بإسناد الأمن للدروز جزئيا، بينما تستمر إسرائيل في الضغط العسكري لتحقيق أهدافها. في خضم كل ذلك يقف العالم متفرجا دون أن يقوم بخطوات عملية لضبط إسرائيل وإيقاف عدوانها في المنطقة. وفي النهاية، كما قال نتنياهو: “لقد تصرفنا، وسنواصل التصرف عند الضرورة”. هذا التصريح يلخص بدقة النوايا الإسرائيلية التي ترنو إلى استثمار الصراعات السورية الداخلية أمنيا وعسكريا لتحقق في المحصلة النهائية هدفها، عبر إدخال سوريا ما بعد الاسد في حظيرة الدول المطبعة مع تل أبيب.