الرئيسة \
تقارير \ السويداء.. إطفاء الحريق أهم من البحث عن أسبابه
السويداء.. إطفاء الحريق أهم من البحث عن أسبابه
23.07.2025
عبد القادر المنلا
السويداء.. إطفاء الحريق أهم من البحث عن أسبابه
عبد القادر المنلا
سوريا تي في
الثلاثاء 22/7/2025
رغم كل التخوفات التي صاحبت فترة ما بعد سقوط الأسد، ورغم السيناريوهات المتشائمة المتعددة التي حاول السوريون تجنبها، إلا أن أحداث السويداء فاقت أشد السيناريوهات سوداوية، فهي إنذار شؤم قد يفضي -إذا ما استمر الحال على ما هو عليه، أو تم تصعيده أكثر- إلى تحطم الحلم السوري ودخول البلاد في نفق أشد إظلاما وإيلاماً من كل الأحداث التي مرت بها البلاد خلال الأربع عشرة سنة السابقة.
القنبلة الموقوتة في السويداء انفجرت لسوء حظ السوريين جميعاً وتناثرت شظاياها على أطراف سوريا، ثمة من سحب الصاعق بالتأكيد، عمداً أو بمحض تعقد الأحداث، ولكن الانفجار تم وأحدث منحى أشد خطورة من كل التوقعات وأعاد تفريق السوريين مرة أخرى ووضعهم في لحظة استحقاق تاريخية، وفي محنة عميقة لا يمكن معالجتها إلا باستخدام أعلى درجات الحكمة والتعقل ومواجهة الذات من قبل جميع الأطراف قبل مواجهة الآخر.
وفي إطار هذا الحدث المأساوي، يبدو الحل الوحيد هو ترتيب الأولويات بشكل دقيق ومتوازن، حيث لا بد من الإسراع في إطفاء الحريق قبل البحث عن أسبابه لمحاصرته وإخماده بدلاً من التراشق بالشظايا، والغرق في دوامة الاتهامات والاتهامات المضادة والتي تزيد من صب الزيت على النار والذي يزيد النار اشتعالاً واتساعاً ما يضع البلاد كلها فريسة للنار المتصاعدة.
بشاعة الجرائم التي ترتكب في السويداء منذ أيام تنقل صورة متوحشة عن سوريا والسوريين جميعاً بصرف النظر عن الجهة التي ترتكب تلك الجرائم، صورة بشعة ستكون نتائجها خسارة تعاطف المجتمعات الأخرى التي لا تعرف خصوصية سوريا وتركيبها الإثني والطائفي المعقد..
ليس أمام السوريين فرص كبيرة للنجاة ولإنقاذ سوريا إلا بالاتفاق على إخماد ذلك الحريق ولو على حساب الخسائر التي تكبدتها جميع الأطراف، ولو على حساب تنازلات مؤلمة يقدمها الجميع، فتنازل السوري للسوري في هذه المحنة لا يعد إذلالاً أو خضوعاً، بل نوعاً عالياً من العمق والوعي بعيداً عن عقدة الانتصار والهزيمة والانحياز.
بشاعة الجرائم التي ترتكب في السويداء منذ أيام تنقل صورة متوحشة عن سوريا والسوريين جميعاً بصرف النظر عن الجهة التي ترتكب تلك الجرائم، صورة بشعة ستكون نتائجها خسارة تعاطف المجتمعات الأخرى التي لا تعرف خصوصية سوريا وتركيبها الإثني والطائفي المعقد، ومهما حاول كل فريق إلصاق التهمة بالآخر، ستبقى هذه الجرائم ممهورة بالطابع السوري ومحسوبة على السوريين وحدهم، جميعهم، وسيلاحقم عار الجريمة كسوريين لا كطوائف وإثنيات متناحرة.
غير أن الأقسى من الجريمة المرتكبة اليوم، هو التباهي بها وتصويرها من مرتكبيها على أنها إنجاز وانتصار على الآخر، فضلاً عن لهجة الشماتة والتشفي التي تظهر السوريين كأعداء أزليين لا كشعب واحد، وهذه ظاهرة تنم عن غياب تام للوعي، لأنّ أسباب العداء غير موجودة في العمق، والمتقاتلون اليوم كانوا جميعاً يعانون من طغيان سلطة الأسد التي لم توفر منهم أحداً.
كان من المفترض أن يكون سقوط الأسد عاملاً أساسياً في إعادة توحيد السوريين كأسرة وعائلة تخلصت من عدوها الوحيد، غير أن جذور السياسة القمعية للأسد عادت لتنبت في الأرض البور التي خلفتها سنوات حكم الأسدين، أكثر من خمسين عاماً من القمع والتسلط والطغيان وسياسة التفرقة والتشكيك وتمزيق الجسد الواحد.
يتردد صدى جذور الحقد والكراهية التي سقاها الأسد من دماء السوريين في أصقاع البلاد، فيعيد الاقتتال بين أبناء الأسرة الواحدة، ذلك أمر ليس جديداً على البشرية، ولكن إذا ما اضطرر المرء لقتل أخيه فعليه أن يكون حزيناً وواعياً بحجم الكارثة لا أن يكلل عار الجريمة بعار آخر من التباهي والشماتة واستعراض القوة والحط من شأن الآخر والتعامل معه كعدو تاريخي تجب إهانته حتى وهو ميت والتمثيل بجثته مع الافتخار بهذا الفعل في أقسى صورة عن الإنسان، فكيف يمكن لعاقل أن يتباهى ويفتخر بالتمثيل بجثة أخيه؟
وفي ترتيب الأولويات التي لا بد من اتباعها للوصول إلى حلول للكارثة السورية، لا بد من اعتراف الجميع بداية بأن ما يحدث اليوم هو أخطر منزلق وصلت إليه البلاد بعد سنوات طويلة من المعاناة مع "الأسد" ونظامه، الذي قاد سوريا إلى طريق مسدود من خلال حالة الاستعصاء التي خلقها وانعدام الحلول الوطنية في فترة حكمه خلال الثورة وتركيزه على الحل الأمني وحده.
وقد أتى التحرير كمعجزة غير متوقعة، ولكن تحرير سوريا من نظام الأسد لم يكن الحدث الأكثر أهمية في إعادة الأمل للسوريين باسترداد بلدهم ونهوضه، فالأكثر أهمية كان تحرير البلاد من الهيمنة الإيرانية ومن ميليشياتها، التي كان وجودها في سوريا خلال سنوات الثورة السورية، الحدث الأكثر إيلاماً ومرارة بالنسبة للسوريين، حيث تغلغلت إيران في مفاصل الدولة السورية وتثبيت دعائمها وميليشياتها كقوة احتلال تخطط للبقاء طويلاً، بل سعت أيضاً إلى طمس ملامح سوريا وإلى الأبد.
ومع الصمت والدعم الدولي في فترة محددة، أصبح وجود إيران كقوة احتلال واقعاً، وكثيراً ما تساءل السوريون حينها: ما الفائدة من سقوط نظام الأسد بعد تمكن إيران من سوريا؟ وما الحل مع إيران في غياب نظام الأسد، فسوريا بلا أسد مع وجود الإيراني لن تختلف عن وجوده، ومن هنا لم يكن سقوط النظام وحده كفيلاً بإيقاظ حلم السوريين في استرداد بلدهم، بل كان لا بد من سقوط المشروع الإيراني أيضاً وهو ما حدث كمعجزة أخرى لم تكن لتتحقق لولا تناقضات السيستم العالمي في فترة معينة، فضلاً عن إصرار السوريين على تحرير بلدهم.
لا يمكن التعويل على المواقف الإسرائيلية ولا يكفي إلقاء اللوم على تدخلاتها، بل يجب مقارعة ذلك بالوحدة الوطنية والوعي بمشاريع الآخرين، الوحدة الوطنية ليس بمعناها الرومانسي الخطابي، بل بضروراتها الآنية وبقدرتها على إطفاء النار..
بالتخلّص من المشروع الإيراني، فتحت الطريق أمام سوريا جديدة، غير أن إسرائيل التي لعبت الدور الأكبر في دحره، ترث اليوم ذلك المشروع وتتابع تجسيده على الأرض من خلال إعادة زراعة الفتنة والانقسام بين أبناء سوريا، مستندة إلى بعض الاختلافات الطائفية تماماً كما كانت تفعل إيران.
وهنا نجدنا أمام مشكلة أخرى أشد تعقيداً ولكنها تستخدم لتبرير الاقتتال الداخلي وإلقاء مسؤولية ذلك على إسرائيل، وهل نتوقع من إسرائيل أو من أي قوة احتلال أخرى أن تفعل شيئاً معاكساً، أو أن تتعاون مع السوريين في إعادة الثقة ببعضهم وببلدهم؟
لذلك لا يمكن التعويل على المواقف الإسرائيلية ولا يكفي إلقاء اللوم على تدخلاتها، بل يجب مقارعة ذلك بالوحدة الوطنية والوعي بمشاريع الآخرين، الوحدة الوطنية ليس بمعناها الرومانسي الخطابي، بل بضروراتها الآنية وبقدرتها على إطفاء النار وإيقاف زخات البنزين التي تفتعلها إسرائيل وغيرها من المناهضين لمشروع سوريا برشها على بقايا الجمر كلما بدأ يخمد.
وهنا يبرز دور الدولة، وهو الدور الأكثر أهمية وحساسية، إذ مطلوب من الدولة أيضاً أن تقدم تنازلات، وهي تنازلات غير مذلة بدورها بل كثيراً ما تتحول التنازلات إلى نوع من الواجب الوطني إذا كانت ستسهم في إطفاء الحريق، ويمكن حصرها فيما تتطلبه اللحظة الفارقة من إعادة فتح حوار وطني شامل وحقيقي، إعادة النظر في الإعلان الدستوري، توسيع رقعة المشاركة، إعادة ترتيب الأولويات في إطار تعيين الإدارات والتركيز على الكفاءات الوطنية بدلاً من الولاءات بصرف النظر عن خلفية تلك الكفاءات وانتماءاتها، والأهم، البدء بمحاسبة فعلية وعلنية لكل من ارتكب انتهاكات أياً كان نوعها وضد من ارتكبها، وصولاً إلى دولة القانون والعدالة والتشاركية.
ليس ثمة فرص كثيرة أمام السوريين، ولا وقت، فالقطار السريع للتآمر الخارجي ماض بكل ما أوتي من قدرات، والطريقة الوحيدة لفرملته والهروب من تحت عجلاته يكمن في خطاب وطني جامع وحقيقي وفعلي وليس مجرد خطابات أو نوايا، فإفشال أي مشروع خارجي أو حتى داخلي يهدف إلى تمزيق سوريا لن يكون إلا عبر بوابة المواطنة وذلك يعني مواجهة الاصطفافات والاستقطابات والكراهية والتهم المتبادلة والتشكيك والانقسامات والإنكار والإنكار المضاد.
ليس سهلاً إصلاح ما انكسر، ولا يمكن إعادة الحليب المسكوب إلى الكأس المكسورة، لكنه ليس مستحيلاً بعد، ثمة فرصة أخيرة إن لم نستثمرها جميعاً فلن تتاح مرة أخرى، وإن لم نفعل فلربما تنزلق البلاد إلى حرب فعلية حقيقية لا تبق ولا تذر هذه المرة.