الرئيسة \  تقارير  \  الخطر الصهيوني يهدّد سورية... والسويداء في الميزان

الخطر الصهيوني يهدّد سورية... والسويداء في الميزان

23.07.2025
عمار ديوب



الخطر الصهيوني يهدّد سورية... والسويداء في الميزان
عمار ديوب
العربي الجديد
الثلاثاء 22/7/2025
خطت دبابات العدو الصهيوني إلى الأرضي السورية منذ اليوم التالي لهروب بشّار الأسد متجاوزةً اتفاق 1974، ودمّرت كامل البنية العسكرية السورية، وأعلنت خطتها لتقسيم سورية ودعمها الأقليات الدينية والقومية، فيما إعلانها لا يتساوى مع قبول هذه الأقليات له. وأعلنت (احتلت مناطق واسعة من القنيطرة ودرعا تقدر بنحو 650 كيلومتراً) أنها ستفرض منطقةً منزوعة السلاح في الجنوب السوري. وبالتالي، أراد العدو فرض هيمنته على سياسات إدارة دمشق، كما يحاول فرضها على كامل المنطقة.
تهاونت إدارة دمشق بداية، تجاه هذا العدو، وأعلنت أنها تريد إقامة علاقة طبيعية مع دول المنطقة كافّة، ولم تستثنِ دولة الاحتلال، وهناك من نسب إلى الرئيس أحمد الشرع قوله عن وجود أعداء مشتركين بين سورية ودولة العدو، وكان يقصد إيران، ويحاول جاهداً تحييد هذا الخطر، باعتبار سورية مُدمَّرة، وبحاجة إلى دعم دولي وإقليمي، وتزامن ذلك، سيّما مع لقاء ترامب والشرع في الرياض بقول ترامب بضرورة دخول سورية في الاتفاقات الإبراهيمية. الشرع رجلٌ طامحٌ لحكم سورية، تهاون في شروطه مع دولة الاحتلال، ولكنّه، وبعد زيارته باكو (أذربيجان) منذ أكثر من أسبوع، أعلن موقفاً متشدّداً بعض الشيء، وسمّى دولة الاحتلال بالكيان، ويبدو أنه رفض (عبر وسطاء)، شروط هذا الكيان الاعتراف بكلّ ما فعله في سورية منذ هروب بشّار الأسد، وفرض منطقة خالية من السلاح جنوبي سورية.
كانت هجمات العشائر كارثية، مورست فيها مختلف أشكال الانتهاكات التي مورست في الساحل في مارس الماضي
هناك انتقاداتٌ واسعةٌ لإدارة دمشق، تتناول استئثارها بالحكم، ورغبتها في فرض سياسات خاصّة بها تجاه السوريين كافّة، المختلفين دينياً وقومياً، وهي سياسات لا تتوافق مع هذا التنوّع، ولا مع أغلبية السُّنّة في سورية. لم تُعر هذه الخلافات أهمية، ومارست مجموعات من الفصائل، التابعة وغير التابعة لها، انتهاكات واسعة، فانفجر الوضع في الساحل، ثمّ في أشرفية صحنايا وجرمانا، ثمّ منذ أسبوع في السويداء، ذات الأغلبية الدرزية. لم تُعالج الإدارة العلاقة مع السويداء بحكمة وطنية، أي بجذب واستقطاب المدينة، واستقطبت مجموعات هامشية، ولكنّها ليست ذات ثقلٍ في توازنات المحافظة، وبدلاً من أن تنتهج الحوار والمفاوضات، وتعيّن شخصياتٍ منها في مؤسّسات الدولة، عمدت إلى تعيين شخصياتٍ من خارجها، فلم توافق امرأة درزية على أن تكون هي المحافظ، وبدلاً من الموافقة على شخصيات من المحافظة لتتسلم القيادات العسكرية أو الأمنية وسواها، أصرّت السلطة على ذلك التعيين. لم يُعطَ (رغم الأشهر الستّة) المحافظ الذي عُيّن من الشرع مجالاً واسعاً، وقد خَبِرَ بعض خصوصيات المحافظة، ولا الصلاحيات الواسعة في الوصول إلى توافقات جادّة بين دمشق والسويداء، وقُيّد أخيراً بشخصية أمنية، أحمد الدالاتي، تؤمن بالحلّ العسكري والأمني، وبالتالي، تشدّدت دمشق، وتشدّدت السويداء، جاء الحلّ للمشكلة كارثياً، فاختطفت مجموعة من إحدى العشائر تاجراً درزياً، وحدثت اختطافات وغارات متبادلة، ترافقت مع حملة عسكرية لإخضاع المحافظة بأكملها، وانقطعت شعرة معاوية. وإذا كان حكمت الهجري، وهو أحد مشايخ العقل لطائفة الموحدين الدروز، هو المشكلة، فكان يمكن رفع الدعاوى القضائية ضده.
اندلعت معارك حقيقية بين الجيش وأهالي السويداء، ولم تعد القضية بين فصيل تابع للهجري والجيش. تدخلّت الدولة الصهيونية، وقصفت جيشها في درعا والسويداء، ومبنى الأركان ومحيط قصر الشعب، وكانت الرسالة واضحة أن على إدارة دمشق الالتزام بمشيئة دولة العدو في فرض منطقة خالية من السلاح في درعا والقنيطرة والسويداء. وأمام خساراته في المعارك مع فصائل السويداء والضربات الجوية الصهيونية، غادر الجيش السويداء، ثم فجأة ظهرت الفزعات العشائرية في سورية كلّها، وامتدّت إلى خارجها، وكأنّها الجيش البديل، وقد أشاد الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بها في خطابه عن أزمة السويداء، وكأنّها قوات تابعة له. لقد وضع الشرع مكونين أهليين قبالة بعضهما، فتنازعت وسائل التواصل الاجتماعي التحشيد الصفري الاجتثاثي بين الدروز والعشائر، وفعلاً أتت حملات عسكرية عشائرية من كلّ سورية، ولم تواجهها السلطة، فظلّ طريق دمشق السويداء مفتوحاً أمام هذه العشائر، بينما فُرض الحصار الكامل على السويداء، ولم يعد يصل إليها طحين أو كهرباء أو إنترنت أو أدوية، وتعطلّت آبار المياه. كانت هجمات العشائر كارثية، ومورست فيها مختلف أشكال الانتهاكات التي مورست في الساحل في مارس/ أذار الماضي، مجازر، حرق منازل، اختطاف، سرقة الأثاث والمحالّ التجارية، تهجير، إرهاب للأهالي، واستخدمت في هجماتها الرشّاشات الثقيلة والمسيّرات وقذائف الهاون، وهي أسلحة تخصّ الجيش (تدخّلت دولة الاحتلال أحياناً) وصدّ أهل السويداء الهجوم.
عُقدت لقاءات دولية وإقليمية لإيقاف حفلة الجنون في السويداء، وشاركت فيها دولة العدو، وأنتجت اتفاقاً يؤكّد إيقاف إطلاق النار، ويبدو أنّه قابل لإنهاء المعارك. المشكلة أن دولة الاحتلال شاركت فيه وفَرضت منطقةً عازلةً على كامل الجنوب السوري، بغضّ النظر عن موافقة أحمد الشرع، وهذا أسوأ نتائج العملية العسكرية على السويداء. لا تستطيع إدارة الشرع تغيير الواقع التي تشكّل منذ 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، ولن يتمكّن من الاستثمار بالقوة في العشائرية في مواجهة العدو، فقد تبيّن مدى هشاشتها أمام عدّة ضربات مُركزة ومحدودة في محيط السويداء. إذاً، ومع احتلال أراضٍ جديدة (غير الجولان السوري المحتلّ في 1967)، ما العمل؟
أولاً، يجب على إدارة دمشق رفض احتلال الجولان منذ 1967، وكلّ ما رسّخه الاحتلال داخل سورية بعد 8 ديسمبر (2024)، وبشكلٍ مُعلَن. وثانياً، يجب تغيير سياساتها تجاه الداخل السوري تماماً، فالقضية ليست فقط تذمّر الأقليات، بل تخصّ كلّ السوريين. وثالثاً، العودة إلى لغة التفاوض والحوار مع السويداء وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) والسوريين كافّة، والكفّ عن الخيار الأمني والعسكري. رابعاً، الاستعانة بخبراء سوريين في مختلف المجالات، سيّما بشأن الموقف من احتلال الأراضي، ووضع خطة محكمة واستراتيجية لمواجهة الاحتلال عبر الأطر الدبلوماسية، العالمية والعربية، الرسمية والشعبية، بما يُرسّخ حقّ السوريين في استقلال بلادهم، ودعم وصول الفلسطينيين إلى دولتهم الكاملة وغير المنقوصة.
وضع الشرع مكونين أهليين قبالة بعضهما، فتنازعت وسائل التواصل الاجتماعي التحشيد الاجتثاثي بين الدروز والعشائر
هناك أزمات هُويّاتية، سببها سياسات إدارة دمشق مع العلويين والدروز، وهناك "قسد"، التي قد تتفجر كذلك في حال لم تتغيّر سياسات دمشق. هناك تحشيد عشائري، وبعد السويداء وجهته "قسد"، وللدقّة، هو قديم وكان كذلك ضدّ الدروز. سيرسّخ دعم العشائرية تيّار الهجري أكثر فأكثر، وكذلك "قسد"؛ إنّه خيار خاطئ، أدّى وسيؤدّي إلى إنتاج إدارات ذاتية في مناطق سورية، وسيكون لها شأن أساسي في الإشراف على شؤونها وبشيء من العدائية تجاه سلطة دمشق، سيّما بعد أن فرضت السويداء ذلك، بقوة السلاح، وبالتدخّل الصهيوني، وبإخلاء المحافظة من سلاح السلطة الثقيل.
اعتماد سياسات تشاركية مع الشعب هو المدخل نحو حلّ الاستعصاءات مع الداخل ولمواجهة الخطر الصهيوني، وذلك بعدم الاعتراف باحتلال الأراضي، الجديدة والقديمة، والاعتراف للسوريين بحقّهم في المشاركة السياسية، وهو ما سيعيد الثقة بالسلطة، فالمشاركة السياسية تدعم السلطة ضدّ الخطر الصهيوني الذي بات يهدّد وحدة سورية، وستحاصر أيّ نزعات محلّية أو طائفية أو قومية قد تستثمر هذا الخطر، وتفتح المجال لبروز وطنية سورية جامعة.