الرئيسة \  واحة اللقاء  \  الثورة السورية وتحدي بناء القوة للشعب!

الثورة السورية وتحدي بناء القوة للشعب!

13.04.2017
حنا صالح

الشرق الاوسط
الاربعاء 12/4/2017
مع 59 صاروخ «توماهوك» على قاعدة الشعيرات الجوية السورية، وضعت واشنطن نهاية لمرحلة في السياسة الأميركية، مرحلة الرئيس باراك أوباما، ووجهت رسائل إلى أكثر من عنوان، فإلى جانب رأس النظام السوري، طالت شظايا القصف طهران، وبالتأكيد الكرملين. وإذا كان الموقف من دور وصلاحية رأس النظام السوري بات معلناً، فإن طهران ستدرك أن واشنطن ستمضي في نهج محاصرة الانفلات الإيراني في المنطقة، لكن الأهم هو أن واشنطن قالت على طريقتها إنه لا وجود لعالم متعدد القطب، وإن الدور الذي حجزته روسيا لها انطلاقاً من سوريا والقرم وسواها، لا يتيح لها التصرف بأنها الند الدولي للولايات المتحدة. يعني ذلك أن روسيا كي تجني ثمار تدخلها يفترض أن تنتهج سياسة أكثر واقعية، وتأخذ بعين الاعتبار حجم مصالح الأميركيين وحلفائهم الإقليميين.
لكن من المبكر جداً الحديث عن سياسة أميركية متكاملة حيال المنطقة، مع أن المفاجآت مع الرئيس ترمب واردة. طبعاً تمّ إنزال العقاب (...) بمرتكبي جريمة خان شيخون، وواضح بالتالي أن منبج لن تتكرر، بمعنى لا دور للنظام السوري في استعادة الرقة، وربما لاحقاً دير الزور، وهذا يفضي للتأكيد أنه لا تغيير نوعياً في الأولويات الأميركية، فما زال موضوع الحرب على الإرهاب وإنهاؤه أولوية مطلقة، وقد أكد الأمر الوزير تيلرسون، كما كل المسؤولين الأميركيين، ومن كل ما تم التطرق إليه، لا هدايا للمعارضة، بل إنّ جنيف وآستانة ستعرف وتيرة أكبر، ومصير الأسد سيوضع على نار هادئة، واليوم في عهد ترمب سيكون وثيق الصلة بإيجاد البديل.
كل المستجدات لا تعني عودة إلى جنيف واحد، بل إن التفاوض الحقيقي يتجه نحو إيجاد آلية شراكة في الحكم تستند إلى تغييرات جدية في الصلاحيات، وإيجاد صيغ ما عسكرية لبناء فيالق جديدة تستوعب وحدات الجيش الحر، على غرار الفيلق الخامس، الذي استوعب شبيحة النظام، وتنظيمات أنبتتها السيطرة الإيرانية في مرحلة سابقة، والهدف الميداني توجيه البنادق ضد «داعش» و«القاعدة»، التي اتخذت كثيراً من الأسماء مثل «النصرة» و«هيئة تحرير الشام»، وفي كل ذلك يبدو أن المفتاح هو ترسيخ وقف النار وتسريع البحث في مشروع الدستور الجديد، والحكم، والانتخابات.
هذا التطور الذي تسارع مع انتهاء معركة حلب، يطرح كثيراً من التحديات بوجه المعارضة السياسية والفصائل العسكرية على حدٍ سواء. تحديات بناء القوة للشعب السوري، أي ضرورة فتح النقاش الداخلي الجاد بين أطياف المعارضة والفصائل العسكرية، وإسقاط الفيتوات ولا سيما عن المكون الكردي السوري، بما يوضِّح نقاط الاختلاف، ويفعّل ما هو مشترك، ويستعيد حيثيات كثيرة، بما فيها من انتقل تباعاً من سُدة قيادة الائتلاف إلى معارضته. بمعنى آخر، الوقت بات داهماً ويجب على المعارضة أن تجيب عن ما هو أساسي، وهو، هل الحفاظ على التعددية التي هي سمة الشعب السوري، هو المبتغى الآن، بوصف التعددية مصدر ثراء للثورة، ولمستقبل كل السوريين الطامحين إلى قيام ديمقراطية ولو بالحد الأدنى، بعد عقود من الديكتاتورية والقمع؟ أو أن هناك من يريد الاستبدال بالوضع القمعي الراهن، حالة أشبه بما هو قائم الآن في العراق، وهو مصدر تناسل للاضطرابات والقهر. دعونا في هذه العجالة نقف أمام المكون الكردي، الذي لعب ويلعب دوراً متزايداً، لا سيما في مواجهة التحدي الذي مثله «داعش» وأضرابه.
يعتبر الكرد، أن القرن العشرين كان قرن تفتيت الأكراد، وتوزيعهم على أربعة بلدان؛ هي سوريا وتركيا والعراق وإيران، وأنه في البلدان الأربعة جرى طمس القضية الكردية، رغم أن الأكراد اليوم يعدون أكثر من أربعين مليون إنسان، ينتشرون على شكل هلال في رقعة جغرافية متواصلة، تمتد من شمال مدينة الإسكندرونة في تركيا إلى شمال شط العرب جنوب العراق. وبالتأكيد هناك بين الأكراد من يطمح لإقامة دولة كردية على أجزاء من البلدان الثلاثة، مع كل المحاذير والأخطار التي يمكن أن تنجم عن مشروع يفتت بلداناً مؤثرة في الإقليم، وهناك من يجاهر بالقول إن هذا القرن يحمل إمكانية تحقيق هذا الطموح، مع أن المضي به قد يكون عنصر صراعات طويلة لا تنتهي، وأبلغ مثال أن التوغل التركي في شمال سوريا، استهدف منع وصل «عين العرب» (كوباني) ومحيطها بـ«عفرين»، لأن ذلك خطوة متقدمة لقيام كيان كردي (غرب كردستان)، على امتداد الحدود السورية - التركية، ولو حدث كانت ستترتب عليه تداعيات كبيرة كما تُعلن أنقرة.
اليوم والخيارات أمام الثورة السورية، التي قدمت مئات ألوف الضحايا وتشريد أكثر من عشرة ملايين سوري، وكل هذا الدمار، الخيارات ضيقة، بدليل المواقف السياسية أعلاه، التي تتجاهل دور النظام السوري كمولد للإرهاب، مما يعني أن الأولوية للمعارضة السياسية والمسلحة، حشد القوى صاحبة المصلحة بقيام سوريا جديدة. من ضمن هذه القوى، الجماعات الكردية التي استفادت من كثير من المعطيات، وباتت تملك أكبر قوة قتالية منظمة في سوريا. لذا ينبغي للمعارضة السورية أخذ المبادرة والاعتراف بالخصوصية للأكراد، وكل ما يساعد هذه الفئة من الشعب السوري، على التنظيم والتعبير وممارسة الدور الممكن، بإطار سوريا الدولة المدنية التعددية والديمقراطية، وفق الشعارات التي رُفعت منذ عام 2011. مثل هذا المنحى، سيعزز الاتجاهات الكردية التي ترى إمكانية حلٍ في إطار الدولة الوطنية المتعددة المنشودة، حيث يجب أن يوفر الدستور دون أي لبس، شروط عدم الهيمنة والإلغاء من جانب الأكثرية. وهذا ما يجب أن يكون حيال الأقليات الأخرى في سوريا، لأنه دون ذلك لا تكتمل شروط المواجهة الناجحة مع الديكتاتورية القائمة.
إن البديل في الظرف الراهن هو استمرار التشرذم والضعف، ومع التخلي الدولي يتقدم احتمال استمرار جلجلة الشعب السوري طويلاً، وعلى المستوى الكردي، ستذهب الاتجاهات المتطرفة التي يمثلها اليوم حزب الاتحاد الديمقراطي، وهو قوة إلغائية، بعيداً في التنكر لأولوية الانتماء الوطني لسوريا، وسيكون حلم بعض هذه الجهات الآن بدولة كردية، وصفة لمزيد من الدماء والتفكك، وهذا من العبث.