اجتماع باريس... صمت سوري وتسريبات إسرائيلية
27.07.2025
عدنان علي
اجتماع باريس... صمت سوري وتسريبات إسرائيلية
عدنان علي
العربي الجديد
السبت 26/7/2025
أحيطت نتائج اللقاء شبه العلني الذي جرى في باريس ليل الخميس – الجمعة بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، برعاية المبعوث الأميركي إلى سورية توم برّاك، بكثير من الغموض، وان كان عنوانها العريض هو السعي للتوصل إلى تفاهمات أمنية بشأن جنوبي سورية وسط صمت رسمي سوري حول اجتماع باريس واكتفاء إسرائيل حتى مساء أمس الجمعة بتسريبات في وسائل إعلام عبرية.
وحاول "العربي الجديد" الحصول على تعليق من الخارجية السورية حول حقيقة هذه التسريبات، من دون الحصول على رد. ووفق موقع "أكسيوس" الأميركي، فإن الاجتماع استمر 4 ساعات، ويعد أرفع لقاء رسمي بين سورية وإسرائيل منذ أكثر من 25 عاماً، حين التقى وزير الخارجية السوري الأسبق فاروق الشرع مع نظيره الإسرائيلي إيهود باراك، في العام 2000 في الولايات المتحدة ضمن محادثات السلام بين الجانبين آنذاك. وكتب بّراك، في تغريدة على حسابه بمنصة إكس أول من أمس الخميس: "التقيت هذا المساء السوريين والإسرائيليين في باريس. كان هدفنا الحوار وتخفيف التوتر، وهذا بالضبط ما حققناه. جميع الأطراف جددت التزامها بمواصلة هذه الجهود".
الهدف من اجتماع باريس بين سورية وإسرائيل
وقال مسؤولون إسرائيليون لموقع "أكسيوس"، إن هدف اجتماع باريس هو التوصل إلى تفاهمات أمنية بشأن جنوب سورية "من أجل الحفاظ على وقف إطلاق النار بين الجانبين، ومنع حدوث أزمة مثل تلك التي حدثت الأسبوع الماضي". ونقلت القناة 12 تأكيد مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى، لم تسمّهما، لقاء ديرمر والشيباني في باريس أول من أمس، وأن هدف الاجتماع، بحسب المسؤولين الإسرائيليين، كان التوصّل إلى تفاهمات أمنية تتعلق بجنوب سورية من أجل الحفاظ على وقف إطلاق النار بين الجانبين ومنع أزمة مماثلة لتلك التي وقعت الأسبوع الماضي، على الرغم من أن إطلاق النار كان من طرف واحد هو الاحتلال الإسرائيلي، منذ إسقاط نظام بشار الأسد. وبحسب مسؤول إسرائيلي كبير، يأمل المسؤولون في حكومة الاحتلال أن "تؤدي القمة في باريس، بالإضافة إلى قضية الترتيبات الأمنية على الحدود، إلى استعداد سوري أكبر للتقدّم في خطوات سياسية مع إسرائيل".
أحمد المسالمة: اجتماع باريس يشير إلى أن العلاقة بين دمشق وتل أبيب دخلت مرحلة التحكّم المنضبط بالتوتر
ولم تدل الأطراف المشاركة في الاجتماع بأية تعليقات حول نتائجه. وقال المحلل السياسي بسام السليمان، لـ"العربي الجديد"، إن اجتماع باريس ربما يكون ركز على التطورات في السويداء، لكن لا تتوفر معلومات حول فحواه. ورأى السليمان أن جوهر هذا الاجتماع يتصل بالترتيبات الأمنية المقترحة لتخفيف التوتر مع الجانب الإسرائيلي، أما الوضع في السويداء، فلا ينبغي أن تكون إسرائيل هي الطرف المفاوض بشأنه نيابة عن ممثلي المحافظة، حيث الموضوع سوري داخلي، وإقحام إسرائيل نفسها في هذه المسألة، هدفه استثمار ما جرى لتحقيق أهداف خاصة بها.
وكانت جرت اتصالات غير مباشرة بين الجانبين برعاية أطراف عدة، وفق ما صرح بذلك الرئيس السوري أحمد الشرع، فيما تحدثت مصادر إسرائيلية عن لقاءات مباشرة، كان آخرها الذي عقد في باكو خلال زيارة الشرع للعاصمة الآذرية في 12 الشهر الحالي، وجمعت مسؤولين سوريين وإسرائيليين، وفق مصادر إعلامية. حيث حدثت، وفق المصادر، خلافات بين الجانبين حول إعادة إحياء اتفاق فك الاشتباك لعام 1974 الذي رفضته إسرائيل، وطالبت بوجود عسكري إسرائيلي خارج حدود الجولان فترة انتقالية خمس سنوات، إضافة إلى "تطبيع دافئ" يشمل فتح سفارات وروابط تجارية، وهو ما رفضه الجانب السوري. وعلى ما قالت مصادر، لم تتأكّد موثوقيتها، طالب الجانب السوري، في الاجتماع، إسرائيل بأن تعطي الضوء الأخضر لدمشق لدمج السويداء بالكامل ضمن هياكل الدولة السورية، ويبدو أن الوفد السوري فهم أن إسرائيل وافقت على ذلك، وتحرّكت دمشق بناء على هذا الفهم مستغلة التوترات بين الدروز والبدو، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بقوله إن ما حدث في السويداء نتج من "سوء فهم خطير" بين الجانبين السوري والإسرائيلي.
العلاقة بين دمشق وتل أبيب دخلت مرحلة "التحكم"
ورأى الصحافي السوري المقيم في باريس أحمد المسالمة أن اجتماع باريس يشير إلى أن العلاقة بين دمشق وتل أبيب دخلت مرحلة "التحكّم المنضبط بالتوتر"، وقد تتحول إلى شبه تفاهم أمني مستقر إذا توفرت بعض الشروط. وأضاف المسالمة، لـ"العربي الجديد"، أن الوصول إلى ضبط للوضع يتطلب الاستمرار في اللقاءات غير المعلنة بين الجانبين، واحتواء أحداث السويداء عبر تفاهمات داخلية تحفظ للمنطقة خصوصيتها، ووجود دعم أميركي لمعادلة الاستقرار. ورأى المسالمة أن اجتماع باريس يمثل "تحولاً استراتيجياً في طريقة إدارة دمشق لعلاقاتها الإقليمية، وتحديداً في الجنوب السوري، الذي بات مقياساً لمدى قدرة الدولة على إعادة تموضعها داخلياً وخارجياً"، معتبراً أن ذلك قد يقود إلى "ولادة نموذج تهدئة مستقر في الجنوب السوري، ويعيد سورية إلى موقع الفاعل السياسي في المنطقة، ولكن هذه المرة من بوابة الدبلوماسية الواقعية لا الشعاراتية"، وفق تعبيره. وأضاف أن "أحداث السويداء الأخيرة جعلت منطقة الجنوب السوري نقطة حساسة في ميزان الاستقرار السوري".
رشيد حوراني: المفاوضات تهدف في الدرجة الأولى لوضع حد للتدخلات والتوغلات البرية الإسرائيلية
من جانبه، قال الباحث في مركز جسور للدراسات رشيد حوراني، لإن المحادثات السورية الإسرائيلية انطلقت بتمهيد من تصريحات للشرع بأن سورية لن تكون دولة معتدية على أي من جيرانها، وتطورت برعاية أميركية، قبل أن تصل إلى التهديد بانهيارها بعد الاستهداف الإسرائيلي لمبنى هيئة الأركان السورية في دمشق، عندما وصف الشرع بعد القصف اسرائيل بـ"الكيان"، ولمح باستخدام القوة ضدها بقوله: "القوة العظيمة ليس بالضرورة أن تحقق النصر في كل مرة".
وأضاف حوراني، في حديثه مع "العربي الجديد"، أن المفاوضات في الدرجة الأولى تهدف إلى وضع حد للتدخلات والتوغلات البرية التي بدأتها إسرائيل منذ العام 2023 عبر مشروع "سوفا 53" ضمن الأراضي السورية، منتهكة اتفاق 1974، وكانت تلك التقدمات جزء من صفقة تعمل على رعايتها آنذاك روسيا بهدف إعادة تأهيل نظام بشار الأسد. كما تهدف إلى وضع حد للتدخلات الإسرائيلية بزعم حماية الأقليات، ولقيت آذاناً صاغية لخططها من بعض الفئات في تلك المكونات. وتوقع حوراني أن تصل الحكومة السورية والكيان الإسرائيلي إلى "توافق مرحلي، وهو ما تسعى إليه الحكومة السورية، يضمن مصالح الطرفين وأمنهما، ووفق أطر القانون الدولي"، معتبراً أن العدوان الإسرائيلي على (مبنى) الأركان ما كان بهذا التصعيد العالي لو أن تنازلات قد قدمت من سورية للكيان في اجتماع باكو، مشيراً إلى أن نقل مكان الاجتماع من باكو إلى باريس، جاء بسبب ثقل باريس في السياسة الدولية. وبشأن طلبات إسرائيل بعد انتشار الجيش السوري جنوبي دمشق، وعدم نشر أسلحة ثقيلة في هذه المنطقة، استبعد حوراني موافقة دمشق على مثل هذه المطالب، مؤكداً تمسكها باتفاق فك الاشتباك لعام 1974 باعتباره اتفاقا دوليا تدعمه الولايات المتحدة أيضاً.
وتطالب إسرائيل، وفق تصريحات العديد من مسؤوليها، باتفاق جديد بدلاً عن اتفاق 1974 يتضمن توسيع المنطقة العازلة إلى عشرات الكيلومترات جنوبي دمشق، بينما هي اليوم بحدود 235 كلم تمتد بطول 80 كلم من الشمال إلى الجنوب، وبعمق يتراوح بين 500 متر و10 كلم. واحتلت إسرائيل بالفعل خلال الشهور الماضية المنطقة العازلة نفسها التي من المفترض أن تكون منزوعة السلاح وتحت سيطرة القوات الدولية (أندوف)، كما سيطرت على مناطق واسعة خارج المنطقة العازلة، وفي عمق الأراضي السورية.