إلى متى سيصمد النظام الأسدي؟
25.03.2013
عمر كوش
المستقبل
24-3-2013
فيما تودع الثورة السورية، ثورة الخامس عشر من آذار / مارس عامها الثاني، وتدخل عامها الثالث، فإن السؤال لم يعد يتجسد فيما إذا كان الثوار سيصمدون عاماً آخر، بل إلى متى سيصمد النظام الأسدي في وجه الثورة، التي أدخلته في دائرة بركان ثائر، لن تهدأ حممه، إلا بسقوط النظام، ورحيل كافة رموزه ومافياته؟
ولعل الحديث هنا لا يدور عن مدة زمنية معينة، ولا عن التنبأ بموعد الخلاص من الاستبداد، ذلك أن نظاماً دموياً، توغل حتى رأسه في أعمال القتل والمجازر، وفي تدمير أماكن عيش الناس وأرزاقهم، وتدمير الحاضنة الاجتماعية، لا يمتلك أية فرصة في البقاء والاستمرار في الحكم، إلا بمعونة وإسناد من طرف حلفائه الروس والإيرانيين، ومن دار في فلكهم، إذ يجمع معظم المتابعين للشأن السوري على أن النظام الإسدي ما كان له أن يصمد طوال عامين أمام الثورة السورية الشعبية، ثورة الحرية والتحرر، لو التدخل السافر، المباشر، من طرف قوى المحور الإيراني الروسي، التي تخوض معركة الدفاع عن النظام. وما يزيد صعوبة الحديث عن سقف زمني معين، ربما يطول أو يقصر، لاستمرار بقاء النظام، هو اعتماد ذلك على أمور عديدة، أهمها حجم الدعم العسكري الذي سيتلقاه الثوار من الخارج، إذ لو كان دعم الثوار من طرف "أصدقاء سوريا"، يرتقي إلى حجم الدعم الذي يتلقاه النظام من طرف إيران وروسيا وحزب الله وميليشيات المالكي وسواها، فإنه ما كان ليصمد إلا فترة محدودة، بل لو كان دعم الثوار متاحاً من قبل، وحقيقياً، لما بقي النظام الأسدي إلى يومنا هذا.
في المقابل، فإن الناظر إلى الثورة السورية، بوصفها قضية عادلة، قضية شعب ينشد الحرية والتحرر، يدرك تماماً أن من كسر حاجز الخوف، الذي بناه النظام الأسدي في طوريه، الأب والابن، لن يتراجع أبداً عما بدأه، وسيصمد حتى النهاية، أي حتى إسقاط النظام الأسدي، لأن المسألة باتت بالنسبة إليه قضية لا تراجع فيها مطلقاً، بعد كانت كل المسائل مختلفة تماماً قبل انطلاق الثورة، حيث كان والدا أي طفل سوري، يعلمانه منذ الصغر أن لا يتدخل، وبالأحرى أن لا يتحدث، في السياسة، كي لا تأتي المخابرات لتبحث عنه، وتأخذه إلى "بيت خالته"، الأمر أنتج خوفاً مركباً ومستديماً لدى السوريين من أجهزة الاستخبارات، جعلهم مغيبين عقلياً ومسيرين سياسياً، وأفسح المجال لتلك الأجهزة، التي يصعب عدها بدقة، أن تحتل، مع الوقت وطول أمد الاستبداد، موقعاً لا يتناسب مع وظيفتها المفترضة، بعد أن تغولت، وتحولت الى الأداة التنفيذية الوحيدة للنظام الأسدي، لكن الأمور تغيرت تماماً مع انطلاق شرارة الثورة السورية.
ولا شك في أن لا أحد يمكنه التحكم بمسارات الثورة، وهو ما يميز الثورات عموماً، ويكسب كل منها خصوصية وفرادة، ولعل من أهم خصوصيات الثورة السورية، وهي تكمل عامها الثاني، وتلامس عتبة عامها الثالث، إنها ثورة متفرّدة - أو لنقل "ثورة يتيمة"- تواجه ليس نظاما دموياً مدججاً بكافة أنواع الأسلحة، بل نظاماً تحارب معه وتسانده أنظمة تشبهه، كإيران وروسيا، وتخوض معارك من أجل بقائه واستمراره في القتل.
وأفضى تفرد الثورة السورية إلى حدوث تغير على مسارها، تجسد في تحولها من ثورة تنشد الحرية إلى ثورة تنشد الحرية والتحرر. وتحولها إلى ثورة تحرر يكمن معناه في كونها باتت فعلاً مقاوماً للقتل وللظلم والقهر، أي أنها فعل مناهض للاستبداد في مختلف صوره، ومناهض للاحتلال بمختلف أشكاله وتجسيداته. وقد أماطت الثورة السورية اللثام عن طبيعة وتركيبة النظام، حتى كشفت عن قوة احتلال للدولة والمجتمع، إذ لم يتردد هذا النظام في إقحام قطعات الجيش للهجوم على مناطق المدنيين في مختلف مناطق وبلدات ومدن سوريا، وأطلق العنان لأجهزة الأمن وفرق الشبيحة لقتل الناشطين والتنكيل بأي شخص غير موال، فتزايدت المجازر والجرائم، وتزايدت أعداد القتلى والجرحى والمعطبوين والمعتقلين والمهجرين، وتزايد الدمار والخراب، وظهرت الانشقاقات في الجيش. وبالتالي كان طبيعياً أن يلجأ كثير من السوريين إلى التسلح، دفاعاً عن أنفسهم وأحيائهم وأماكن سكناهم، الأمر الذي اكتسب الثورة مركباً مسلحاً لمواجهة جيش النظام وأجهزة أمنه وشبيحته، وراحت قوى الثورة تتعامل مع النظام بوصفه قوة احتلال، من حقها المشروع مقاومته.
وإذا كان العديد من المراقبين والمهتمين بالشأن السوري قد تفاجأ من بطش النظام السوري وقسوته في التعامل مع الثوار وحاضنتهم الاجتماعية، ومن استعداده الكامل لتدمير أماكن سكناهم، باستخدام الطائرات ومدفعية الدبابات والقاذفات والصواريخ البالستية، فإنه يمكن القول إن معظم السوريين لم يتفاجأوا، بل توقعوا هذا السلوك الوحشي، لأنهم يعرفون طبيعة نظامهم الاستبدادي، الأمر الذي يفسر تردد عدد كبير منهم بالانضمام إلى صفوف الثورة، إذ لا يزال نموذج مجزرة مدينة حماة ماثلاً في أذهان السوريين، ويعرفون أيضاً أن نظامهم لا يسقط ولا يُصلَح بالمظاهرات، ولن يتردد في إطلاق النار عليهم. ومع ذلك خرج السواد الأعظم من السوريين كاسرين حاجز الخوف، ومسطّرين مسيرة ثورة، قلّ نظيرها في التاريخ الحديث.
ويبدو أن مسار الأمور في سوريا، بعد مرور عامين من عمر الثورة السورية، مرتبط بشكل كبير بما يحدث على الأرض، حيث تشير الوقائع إلى أن قوى الثورة تحرز المزيد من التقدم على الأرض، بخاصة مع سيطرة الجيش السوري الحر على محافظة الرقة، بوصفها أول محافظة سورية تتحرر بالكامل من قبضة النظام، وإسقط فيها تمثال الأسد الأب بأيدي سوريين، في مشهد رمزي، مليء بالدلالة، الأمر الذي سيؤثر على انفكاك دير الزور، ومعها المنطقة الشرقية والشمالية، من قبضة النظام السوري. يضاف إلى ذلك التقدم الملحوظ للثوار السوريين في حلب وريف حلب الغربي، ومحاصرة المطارات العسكرية في كل من محافظتي حلب وإدلب، والسيطرة على بعضها، وبالتالي، فإن النظر في الموقف الراهن يشير إلى أن مسار الأحداث في سوريا سيكون أمام مفترقين رئيسيين:
الأول: إصرار النظام على السير بالحل الأمني واتباع نهج الحسم العسكري، رغم علمه بفشل هذا الحل. يقابله تقدم الثوار المضطرد في مختلف المناطق الشرقية والشمالية والجنوبية، وبالتالي السير نحو معركة العاصمة دمشق الحاسمة. وهو أمر ستكون كلفته باهظة على السوريين، بالأرواح والممتلكات، حيث سيتضاعف عدد الشهداء ويزداد الدمار والخراب، وصولاً إلى إسقاط النظام بقوة السلاح. وقد يصعب التنبؤ بالنتائج والإرهاصات التي تتمخص عن هذا السيناريو، خصوصاً في ظل تقارير تشير إلى وجود خطط لدى النظام، في حال فقدانه دمشق، للانكفاء في المنطقة الساحلية، والاحتماء بالمكون الطائفي، وقد يستجلب ذلك تقسيم سوريا إلى دولتين أو أكثر. لكن في مطلق الأحوال، فإن دويلة كهذه لن يكتب لها الحياة، لافتقارها للمقومات اللازمة.
الثاني: أن تضغط روسيا وإيران على النظام بما يكفي، لثنيه عن نهجه العسكري، والدخول في مفاوضات جدية على أساس رحيل الأسد وعائلته وزمرته، والبدء بمرحلة انتقالية، من خلال تشكيل حكومة انتقالية ذات صلاحيات حقيقية وكاملة، بما يعني تجنيب البلاد المزيد من الويلات والدمار. ولعل هذا السيناريو هو الأقل كلفة في الدماء وفي الحفاظ على ما تبقى من مقدرات البلد، وصون وحدته الترابية والوطنية، لكنه مستبعد في المدى المنظور على الأقل.
ويبقى أنه من الممكن أن يصاب النظام بهزة عنيفة، بفعل صدمة قوية من داخله أو من خارجه، قد لا يقوى عليها، تجعله ينهار سريعاً. وربما تسود في إثرها مرحلة قصيرة على الأرجح من الفوضى أو الفراغ السياسي، ومن الصعب تقدير مآل الأمور في حالة كهذه. ومع ذلك فإن الاحتمالات كلها مفتوحة، والأمر متروك لما يحدث على الأرض.