الاتحاد
الاربعاء 1/3/2017
التغيير في سياسة الولايات المتحدة الشرق أوسطية يبدأ من إيران. وهذا تغيير يعني الكثير عندما تبدأ مقدماته في بداية المائة يوم الأولى لإدارة ترامب. موقف قوي اتخذه الرئيس ترامب مصحوباً بعقوبات مبدئية، ومسبوقاً باختيار جيمس ماتيس وزيراً للدفاع، وملحوقاً باستقالة مايك فلين مستشار الأمن القومي. كان الخلاف الأساسي بين ماتيس وفلين يتعلق بالموقف تجاه روسيا. لكن هذا الموقف يؤثر بالضرورة في السياسة الأميركية تجاه إيران. لذلك أصبح متوقعاً أن تمضي هذه السياسة في الاتجاه الذي يؤمن به ماتيس، وهو أن إيران تُعد المعضلة الأكبر في المنطقة على صعيد دعم الإرهاب والتوسع الإقليمي والتهديد الصاروخي البالستي الآن، والنووي مستقبلاً.
غير أن مهمة إدارة ترامب في مواجهة هذه المعضلة، لن تكون سهلة. فقد توسع نفوذ إيران الإقليمي في السنوات الأخيرة في غياب معارضة دولية. فقد دعمت إيران علاقاتها مع روسيا من باب الأزمة السورية، وسعت لتطويرها باتجاه تحالف فعلي، ووفّر لها الاتفاق بشأن برنامجها النووي حرية حركة أكثر وموارد تستطيع استخدام بعضها لدعم وكلائها المحليين في عدد من دول المنطقة.
سيكون صعباً على إدارة ترامب مثلاً أن تقنع شركاء الولايات المتحدة في الاتفاق النووي بمراجعته وتعديله، ناهيك عن إلغائه. الدول الكبرى، وأية دولة تحرص على سمعتها، لا تتراجع عن اتفاقات وقعتها إلا عند حدوث تغيير كبير يفرض ذلك. والأرجح أن طهران ستلتزم أقصى درجات الحذر في التعامل مع هذا الاتفاق لكي يتعذر على إدارة ترامب أن تجد سبباً مقنعاً لمراجعته. ولعل هذا يفسر مسارعة طهران إلى تنفيذ ملاحظات مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، عندما رصدوا أن إنتاج المياه الثقيلة تجاوز العتبة التي يسمح بها الاتفاق، وأعادته إلى المعدل الذي نص عليه.
لكن الإدارة الأميركية تستطيع تطوير السياسة التي بدأتها لفرض عقوبات على إيران بسبب برنامجها الصاروخي، ومطالبة شركائها في مجموعة «5الاربعاء 1/3/20171» بأن تفعل مثلها، ووضع هذا الموضوع على جدول أعمال الحوارات والاتصالات الجارية مع الاتحاد الأوروبي، وفي إطار الحلف الأطلسي.
وبإمكان إدارة ترامب أيضاً أن تبني على الخطوة التي اتخذتها لدعم الوجود الأميركي العسكري في منطقة الخليج عندما نشرت المدمرة «كول» أمام ساحل اليمن لحماية حرية الملاحة في مضيق باب المندب. ومن شأن هذا التحرك، أن يوجه رسالة واضحة تفيد بأنها لن تسمح لإيران بمزيد من التوسع في المنطقة.
وربما تكون الأزمة اليمنية مدخلاً مناسباً لتحرك أميركي أوسع وأكثر تأثيراً لمحاصرة النفوذ الإيراني في المنطقة، والعمل من أجل تقليصه، لأن جماعة أنصار الله «الحوثية» هي الحلقة الأضعف في منظومة وكلاء طهران المحليين. لذلك سيكون موقفها تجاه هذه الأزمة كاشفاً المدى الذي يمكن أن تبلغه في سعيها لمحاصرة التوسع الإيراني. ويبدو عنصر الزمن بالغ الأهمية هنا، لأن التأخر في تبني سياسة أكثر صرامة تجاه الدعم الإيراني لـ «الحوثيين» يتيح لطهران إمدادهم بمصادر قوة عسكرية ومالية على نحو يُمكَّنهم من إطالة أمد الصراع.
وتستطيع إدارة ترامب أن توجه رسالة أقوى إلى إيران إذا تبنت سياسة أكثر وضوحاً في دعم الشرعية في اليمن، ومساندة التحالف العربي الذي يقاوم محاولات الهيمنة الإيرانية عليه. فاليمن هو البلد العربي الوحيد الذي يمكن تحقيق إنجاز سريع على صعيد مواجهة النفوذ الإيراني فيه، لأن الأوضاع في سوريا والعراق ولبنان أكثر تعقيداً. في سوريا مثلاً، يفرض تضخم الدور الروسي في العامين الأخيرين التوصل إلى تفاهم مع موسكو أولاً. ويحتاج بناء مقومات هذا التفاهم إلى وقت قد لا يكون قصيراً. كما أن أي تفاهم أميركي روسي سيتأثر بموازين القوى على الأرض، حيث تملك إيران قدرات لا يستهان بها.
كما أن تحويل هذا التفاهم إلى صفقة متكاملة تشمل وضع حد لدور إيران يحتاج إلى وقت أطول، ويمر عبر عملية انتقال سياسي تتضمن إخراج الميليشيات الأجنبية «غير السورية» كلها. ومن الطبيعي أن تبذل طهران قصارى جهدها لتعطيل هذه العملية لكي تحافظ على وجود الميليشيات التابعة لها، وتدفع باتجاه صيغة تضمن موطئ قدم لها في سوريا على المدى الطويل. لذلك سيكون على إدارة ترامب أن تتحرك بقوة وسرعة في اليمن إذا أرادت تقديم نموذج لمحاصرة سياسة إيران التوسعية، إذا أرادت تأكيد صدقية سياستها الجديدة وتصحيح الاختلالات التي تفاقمت في عهد إدارة أوباما الثانية بصفة خاصة.
---------------
*رئيس تحرير مجلة «السياسة الدولية»