الرئيسة \
تقارير \ أحداث السويداء… بين أطماع نتنياهو وتعقّل الشرع
أحداث السويداء… بين أطماع نتنياهو وتعقّل الشرع
22.07.2025
إحسان الفقيه
أحداث السويداء… بين أطماع نتنياهو وتعقّل الشرع
إحسان الفقيه
القدس العربي
الاثنين 21/7/2025
تتشارك الأوساط السياسية والدينية والثقافية داخل الكيان الإسرائيلي، مخاوف السقوط خلال السنوات القليلة الماضية، في ما يُعرف بلعنة العقد الثامن، استنادا إلى أن الممالك اليهودية القديمة، زالت أو بدأت في التفكك عند بلوغها العقد الثامن. هذه المخاوف كانت حاضرة في تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، وكذلك تناولها رئيس الخارجية الأمريكية الأسبق اليهودي هنري كيسنجر، وغيرهما من الرموز الصهيونية.
رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو أيضا عبّر عن مخاوفه من لعنة العقد الثامن، لكنه لم يقف عند هذه المخاوف، بل أطلق وعدا بأن يتجاوز بدولته هذه اللعنة. وضع نتنياهو بالفعل هذا الوعد حيز التنفيذ، حيث واجه عوامل التصدّع الداخلي، بخوض سباق مع الزمن في فرض واقع جيوسياسي في المنطقة، يضمن الهيمنة الإسرائيلية، اتكاء على الدعم الأمريكي الغربي المفتوح، واستنادا إلى حكومة يمينية متطرفة، يخلو قاموسها من السلام والحلول السلمية، ما جعله يقدم على ضرب غزة والضفة ولبنان وسوريا في آن واحد.
في الحالة السورية، كان نظام بشار الأسد يمثل راحة نسبية لنتنياهو، الذي اقتصرت ضرباته على مواقع انتشار قوات الحرس الثوري الإيراني داخل سوريا، وخطوط الإمداد الإيرانية التي تمر عبر الأراضي السورية إلى حزب الله اللبناني، ولم يستهدف نتنياهو ترسانة الأسلحة الاستراتيجية لدى بشار، التي كان يستخدمها الأخير لقمع الثورة والمعارضة. لكن الأوضاع تغيرت تماما بعد تولي إدارة أحمد الشرع زمام الأمور، حيث تفاقمت مخاوف نتنياهو من بناء سوريا موحدة، لا مجال فيها للتقسيم، تحت مظلة قيادة لها خلفيتها الإسلامية، تعيد البلاد للحاضنة العربية، وتمد جسور العلاقات المفتوحة، إقليميا ودوليا. لذا سعى نتنياهو منذ سقوط نظام بشار إلى تدمير الأسلحة الاستراتيجية والأنظمة الصاروخية والطائرات من ميراث النظام البائد، وعلى تجريد سوريا من أية قدرات عسكرية، يمكن أن تسبب قلقا لدولة الاحتلال، ولم يكتف بذلك، بل استغل الأحداث لتجتاح قواته المنطقة العازلة على الحدود السورية، التي أنشئت وفقا لاتفاقية فك الاشتباك بين سوريا والاحتلال عام 1974، وتوغلت في مناطق بجبل الشيخ بدعوى تأمين حدوده، إضافة إلى استعراض قدراته القتالية، في ضرب أهداف في العمق السوري منها محيط قصر الرئاسة. هدف نتنياهو من العربدة التي يمارسها على الأراضي السورية، ليس إقامة منطقة عازلة خالية من القوات السورية لحماية حدود دولته فحسب، بل تتجه أطماع نتنياهو لتقسيم سوريا، وإقامة دولة موالية له في الجنوب تحكمها الطائفة الدرزية، مستغلا الدروز في الداخل الإسرائيلي، لفتح قنوات اتصال مباشرة مع الدروز في سوريا، واستمالة الطائفة، من خلال ادعاءات حمايتها، مما سماه النظام السوري الطائفي. الأحداث الأخيرة في السويداء ذات الأغلبية الدرزية، تؤكد هذه الأطماع، فقنوات الاتصال التي فتحتها دولة الاحتلال مع الدروز، الذين يرفض معظمهم الدخول تحت مظلة إدارة الشرع، وتغذية النعرة الطائفية التي يؤججها الخطاب الإسرائيلي، عززت أطماع حكمت الهجري، أبرز مشايخ الطائفة في رفض الاندماج في الدولة، والتطلع إلى دولة جنوبية للدروز. وفي ظل غيبة عن السويداء ،أُجبرت عليها القوات السورية التي يستهدفها الاحتلال، لمنع وجودها في الجنوب، قامت الفصائل الدرزية المسلحة باستهداف البدو داخل السويداء، واندلعت اشتباكات بين الطرفين، ما استدعى تدخل الحكومة السورية، التي أرسلت قواتها لفض الاشتباكات، إلا أن القوات الحكومية، تعرضت للهجوم من فصائل درزية، وشنت طائرات الاحتلال هجوما عليها، ما أدى إلى انسحابها من السويداء.
موقف الشرع من عربدة نتنياهو اتسم بالعقلانية، التي تمثل خياره الأوحد في هذه الظروف الحرجة، فانسحب مجبرا من أرض يفترض أنها تحت سيادة الدولة، تاركا إدارة شؤون الأمن الداخلي للطائفة في السويداء.
لقد كان هذا هو الخيار الأمثل، الذي يفرضه الواقع على الحكومة السورية الجديدة، وكما أوضح الشرع في خطابه، أنه كان مخيرا بين الانجرار إلى حرب مع الكيان الإسرائيلي، وتجنيب الدولة ويلات الحرب، في وقت تُبنى فيه الدولة ومؤسساتها، فاختار سلامة الشعب.
الحرب هي عين ما يريده نتنياهو، لذلك يقوم بهذه العربدة المستفزة لجر النظام السوري إلى حرب لا يمتلك فيها سلاحا يواجه به الطائرات الإسرائيلية، ما يجعل البلاد ساحة مفتوحة للطيران الإسرائيلي، الذي لن يتورع عن حرق الاخضر واليابس، ويقوم مع اندلاع الحرب بتجييش الغرب ضد نظام سوري إرهابي، يستهدف إسرائيل وفق رواية نتنياهو.
سوف يترتب على ذلك، ضرب الدولة في مهدها، وجعل سوريا ساحة حرب من جديد، وساحة للتدخلات الأجنبية، والنتيجة هي التقسيم الحتمي لسوريا على الطريقة التي يهواها الاحتلال.
أجزم أن خيار الحرب هو الخيار الأيسر للشرع، الذي قضى سنوات عمره محاربا، لكن كما بينت سلفا في أكثر من مناسبة، الرجل تحول من التفكير في سوريا بعقلية الثورة والجماعة، إلى عقلية الدولة، ومن ثم اختار تغليب سلامة الشعب ومنع تفتيت أراضيه. لكن الشرع لم يُظهر خلال هذه الأحداث هدوءه وتعقّله فحسب، بل أظهر أنه ثعلب يحسن استغلال ما لديه من أوراق. فمع انسحاب القوات السورية، وفي أوْج شعور فصائل حكمت الهجري الخارجة عن القانون بالزهو، واعتقادها تركيع الحكومة، قامت هذه الفصائل بانتهاكات جسيمة بحق البدو، لكن هذه الفصائل كانت على موعد مع ما لم يكن بحسبانها، حيث زحفت العشائر العربية نحو السويداء، واشتبكت مع أتباع الهجري وتمكنت من تحرير عائلات بدوية من أسر هذه الفصائل.
هذه العشائر كما هو معلوم موالية لحكومة الشرع، فكان إجبار القوات الحكومية على الانسحاب، فرصة سانحة لأن يلعب بهذه الورقة الرابحة، فلم يقيد يد العشائر التي حركتها النخوة العربية لإنقاذ البدو، والتزم في الوقت نفسه ببنود الاتفاق التي أبرمها لدى انسحابه من السويداء، ما أدى في النهاية إلى أن يطلب شيخ الطائفة حكمت الهجري من الحكومة السورية سرعة التدخل.
أحداث السويداء التي كشفت عن حجم أطماع نتنياهو في الجنوب، وعن الصلة الوطيدة بينه وبين الدروز، كشفت كذلك عن امتلاك الشرع أوراقا بديلة للحرب المباشرة، ولكن يبقى السؤال الذي تجيب عنه الأيام المقبلة وحدها: إلى متى يصمد هدوء الشرع وتعقّله أمام أطماع نتنياهو التي لا تنتهي؟
كاتبة أردنية