الرئيسة \  تقارير  \  بيان إخوان سوريا… ديبلوماسية عالية تخفي تناقضات مع الحكم الجديد

بيان إخوان سوريا… ديبلوماسية عالية تخفي تناقضات مع الحكم الجديد

12.08.2025
عبدالله سليمان علي



بيان إخوان سوريا… ديبلوماسية عالية تخفي تناقضات مع الحكم الجديد
عبدالله سليمان علي
المصدر: النهار
الاثنين 11/8/2025
على رغم أن "الإخوان المسلمين" في سوريا واكبت مرحلة سقوط نظام البعث، عدوّها اللدود، وقيام نظام حكم جديد بقيادة "هيئة تحرير الشام"، التي لم تكن حليفاً لها خلال الحرب السورية، من خلال إصدار العديد من المواقف والبيانات حيال مجمل التطورات الحاصلة، ومواظبتها على الحضور السياسي والإعلامي، فإن البيان الأخير الصادر عن مجلس شورى الجماعة في جلسته العادية الرابعة استقطب اهتماماً خاصاً لسببين، الأول توقيت صدوره، والثاني أنه جاء على شكل برنامج سياسي مفصّل، ما يوحي تضمنه رسائل متعددة موزعة بين الداخل والخارج، وخصوصاً أن إصداره تزامن مع زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق، وهي زيارة لم يُعلن عنها مسبقاً.
ورأى مراقبون سوريون أن البيان مثّل إعادة تموضع للجماعة بضغوط أو بتوجيه تركي، بخاصة في ظل التطورات التي أفرزها الكباش التركي – الإسرائيلي في سوريا، وربما شعرت أنقرة أن مصالحها باتت مهددة، خصوصاً مع بروز مؤشرات على تغيّر موقف بعض الدول حيال أداء دمشق.
لكن عضو المكتب السياسي في جماعة "الإخوان" سمير أبو اللبن ينفى هذه القراءة في حديثه إلى "النهار"، مؤكداً أن "اجتماع مجلس الشورى دوريّ وموعده محدد منذ مدة، وبالتالي لا علاقة له البتّة بزيارة فيدان لدمشق".
واتّسم البيان، الصادر الخميس، بلغة هادئة ومتزنة وديبلوماسية عالية، مع وضوح الحرص على اختيار الألفاظ بدقة، ما يعكس إدراك الجماعة لحساسية المرحلة التي صدر فيها البيان أولاً، ولمدى حساسية موقعها ودورها في المشهد السياسي ثانياً.
ولم يتضمّن البيان أي تعبير يوحي بوجود غصّة لدى "الإخوان" جراء ابتعاد السلطة الجديدة عنهم، رغم أنهم كانوا المهيمنين على مؤسسات المعارضة السورية ضد بشار الأسد. بل على العكس، أعربوا عن "الفرح والأمل" وهنأوا أحمد الشرع، واصفين إياه بـ"سيادة الرئيس" من دون استخدام صفة "الموقت" أو "الانتقالي".
وأكد البيان تبنّي هدف "بناء الدولة المدنية الحديثة بمرجعية إسلامية"، وهو بند أثار جدلاً واسعاً بين السوريين لجمعه بين ما يراه كثيرون متناقضين، "الدولة المدنية" و"المرجعية الإسلامية". ويبدو أن الجماعة تعدّل رؤيتها لشكل الدولة وفق المتغيرات، فخلال بدايات الأزمة السورية أصدرت وثيقة "عهد وميثاق" تبنّت فيها شكل الدولة المدنية من دون ذكر المرجعية الإسلامية، في محاولة لتبديد المخاوف من الطابع الإسلامي للثورة آنذاك. أما اليوم، ومع وصول "جهاديين سابقين" ذوي عقيدة سلفية إلى الحكم، لم تعد الجماعة تتحرج من إبراز هذه المرجعية.
وفي هذا السياق، يقول أبو اللبن إن "الدولة المدنية الحديثة بمرجعية إسلامية" مطلب للجماعة منذ خمسينات القرن الماضي، وإن المشروع السياسي لمستقبل سوريا (2004) تضمّن تأصيلاً واضحاً لأركان هذه الدولة، موضحاً أن المرجعية الإسلامية تعني اعتماد المدرسة القانونية الإسلامية في التشريع، معتبراً أنها أفضل من المدارس الأنغلوسكسونية أو الفرنكفونية أو الألمانية. لكنه لم يجب عن سؤال "النهار" بشأن غياب المرجعية الإسلامية عن وثيقة 2012.
ورغم طول البيان، فإنه تجاهل العديد من التطورات التي شهدتها الساحة السورية خلال الأشهر الثمانية الماضية، مثل مجازر الساحل وحوادث السويداء، ما عزّز الاعتقاد أن الجماعة لا ترغب في الاقتراب مما قد يعكّر صفو علاقتها بالسلطة الجديدة، التي وضعت نفسها منها في موقع "الداعم الناصح الأمين".
ومع ذلك، فإن حرص البيان على "وحدة سوريا أرضاً وشعباً" وتحذيره من "المشاريع الانفصالية التي تسعى إليها إسرائيل وبعض الدول" عُدّ بمثابة تأييد موارب للسردية الرسمية بشأن هذه الحوادث.
وعلّق المحامي أنس جودة على البيان قائلاً إنه "الأول بعد سقوط النظام بهذا التفصيل والوضوح، كأنه برنامج سياسي يحمل الكثير من المعاني والرسائل، منها التموضع على مسافة من السلطة، والدعوة الى دولة مدنية، وإشراك المكوّنات ضمن إطار تعددي، والدعوة لانتخابات تعددية". وأضاف: "كنت أنتظر منذ سقوط النظام وصول الإخوان إلى هذه اللحظة، ويبدو أننا أمام مرحلة جديدة".
ولا يخفي أبو اللبن وجود اختلافات مع السلطة في بعض وجهات النظر من دون تحديدها، لكنه يشدّد على أمرين، الأول هو حرص الجماعة على "بناء الدولة الوليدة وفقاً للمبادئ التي خرجت الثورة من أجلها"، والثاني تقديم نموذج للتعامل مع الظروف الحساسة التي تمر بها البلاد من دون "تصديع المجتمع والدولة"، وهو ما يراه تجسيداً لدور "الناصح الأمين".
ويكشف إحدى نقاط الخلاف مع السلطة، وهي ملف العدالة الانتقالية، معتبراً أن "المصطلح مؤسس وواضح في العلوم السياسية، ويجب أن يشمل جميع من ارتكب جرائم بحق السوريين من أي طرف كان، أما محاسبة طرف وإهمال آخرين، فهذا لا يمتّ للعدالة بصلة". وكان مرسوم تشكيل هيئة العدالة الانتقالية قد حصر مهمتها بالتحقيق في الانتهاكات الخطيرة التي ارتكبها النظام السابق.
أما بشأن الحديث عن مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة بين دمشق وإسرائيل، فيقول أبو اللبن إن المفاوضات "من اختصاص الحكومة السورية"، مشيراً إلى أن "السياسة والحكم لهما إكراهاتهما، لكن ضمن حدود المسؤوليات".
ويعرب عن رفضه القاطع للتطبيع، مؤكداً أنه "لا يمكن لأي عاقل حرّ أن يقبل التطبيع مع دولة الاحتلال، وهي تحتلّ الجنوب السوري، وتنتهك الأجواء بين الحين والآخر، وتعتدي على الفلسطينيين، وتعمل على تهجيرهم، وتسعى لإعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد، وإنجاز ممر داود في سوريا".
ويختم أبو اللبن بالتشديد على أن "القضية الفلسطينية قضية حق وأخلاق، ولا يمكن لإنسان يملك ذرة ضمير ألا يكون له موقف مما يجري في غزة".