وهم المقارنة وهوى التقسيم
11.08.2025
محمد خالد الرهاوي
وهم المقارنة وهوى التقسيم
محمد خالد الرهاوي
سوريا تي في
الاحد 10/8/2025
في خضم النقاشات الدائرة حول مستقبل سوريا، ومع تعقيدات المشهد الميداني والسياسي، تبرز على السطح مصطلحات ومفاهيم يُعاد تدويرها وتوظيفها لخدمة أجندات متباينة، ولعل من أبرزها النموذج الإماراتي الذي تستدعيه قسد وبعض الميليشيات الخارجة عن القانون في السويداء، وفلول النظام الساقط في الساحل، للترويج والتسويغ لمشاريعهم اللاوطنية المشبوهة تحت أسماء اللامركزية أو الفيدرالية، لكن نظرة متأملة فاحصة تكشف أن هذه المقارنة ليست فقط في غير محلها، وإنما هي مقارنة مضللة تخفي وراءها هوى لتقسيم سوريا وتفتيتها تحت ذرائع واهية.
إن طرح الأطراف المذكورة آنفا النموذج الإماراتي في السياق السوري الراهن لا يعدو أن يكون محاولة لتغليف مشروع انفصالي بغلاف وحدوي جذاب؛ تحت شعار منع تكرار المظلوميات والتهميش الذي كان على أيام النظام الساقط، مستشهدة بنجاح تجربة الإمارات العربية، لكن هذا الاستشهاد يتجاهل عن عمد أو عن جهلٍ ثلاثة اختلافات جوهرية كفيلة بنقض هذه الادعاءات على نحوٍ يجعل المقارنة بين الحالتين ضرباً من العبث السياسي والتاريخي والاجتماعي.
الاختلاف الأول: منطق الوحدة مقابل منطق التفتيت
يكمن الاختلاف الجوهري الأول والأكثر أهمية في فلسفة النشأة ومنطق التكوين في أن دولة الإمارات هي قصة نجاح في الاتحاد، وليست في الانفصال، فقد قامت الدولة عام 1971 على أساس اتحاد طوعي بين سبع إمارات كانت مستقلة ذات سيادة محدودة، وكانت كيانات منفصلة، قرَّر حكامها التوحد في دولة واحدة قوية، إدراكاً منهم بأن في الاتحاد قوة ومنعة وازدهارا، وكان الدافع هو الانتقال من حالة التجزئة إلى حالة الوحدة، ومن الضعف إلى القوة، من أجل بناء دولة عصرية قادرة على مواجهة تحديات المستقبل.
على النقيض تماما، فإن ما تطرحه قسد والميليشيات الإجرامية في السويداء هو عملية عكسية تماما، فهي لا تسعى إلى توحيد كيانات منفصلة، وإنما إلى تفكيك دولة موحَّدة، وإلى اقتطاع محافظات سورية وتحويلها إلى أقاليم شبه مستقلة أو مستقلة تماما ويكون الانتماء إلى سوريا شكليا، ولا يد للحكومة المركزية عليها.
إذن، فالنموذج الإماراتي قام على فلسفة (التوحيد)، وتقوم المشاريع المطروحة في سوريا على فلسفة (التفتيت)، والأول بنى دولة من إمارات، والثاني يريد أن يبني إمارات من دولة. ولا شك أن هذا التناقض الجذري يجعل أي مقارنة بينهما مضللة وتهدف إلى خداع الرأي العام، فما يطالبون به ليس لامركزية وفق النموذج الإماراتي، وإنما تقسيم مقنع بأسماء مظللة وشعارات خدّاعة.
الاختلاف الثاني: أساس التكامل الوطني مقابل أساس المحاصصة العرقية والطائفية
الفارق الجوهري الثاني يتعلق بالأساس الذي قام عليه الاتحاد؛ فالنموذج الإماراتي لم يقم على أساس عرقي أو طائفي، وإنما على أساس التكامل الوطني والمصير المشترك، فالإمارات السبع رغم خصوصية كل منها تشترك في هوية عربية وإسلامية واحدة وتاريخ مشترك ورؤية اقتصادية متكاملة، ولم ينشأ الاتحاد ليعطي لكل قبيلة أو عائلة كانتونا خاصا بها، ولكن ليدمج الجميع في هوية وطنية جامعة هي الهوية الإماراتية، فالهدف كان تجاوز الخصوصيات المحلية لصالح هوية وطنية أسمى وأشمل.
وفي المقابل، نجد أن المشاريع المطروحة في سوريا تنطلق من رؤية تقسيمية بحتة؛ فمشروع قسد ذو طابع عرقي واضح، ويسعى إلى إنشاء كيان خاص بالأكراد في شمال شرقي سوريا مع أن العرب هم الأكثرية في تلك المنطقة، ولا تتجاوز نسبة الأكراد 25 % في الحسكة، ولا وجود لهم في دير الزور والرقة (عدا عدد محدود من قراها). وأما دعوات فلول الساحل وعصابات السويداء فتنطلق من منطلق طائفي ضيق، وتسعى إلى استغلال الخصوصية الدينية لخلق كيان طائفي خاص بها منفصل عن محيطه الوطني السوري، متجاهلة أن سوريا كانت دائما وطنا لكل أبنائها بمختلف أطيافهم وانتماءاتهم وأن قوتها تكمن في هذا التنوع ضمن إطار دولة واحدة موحَّدة. ولا يخفى أن هذه المشاريع القائمة على العرق أو الطائفة هي وصفة مضمونة لإشعال حروب أهلية لن تنتهي، وللتخلي عن الهوية السورية الجامعة لصالح هويات فرعية متناحرة، وهذا عكس ما فعله النموذج الإماراتي الذي صهر الهويات المحلية في هوية وطنية واحدة وقوية.
في مواجهة هذه المشاريع التقسيمية المدمرة، طرحت الحكومة السورية الجديدة رؤية واضحة وبديلة؛ وهي اللامركزية الإدارية من دون المساس بالمركزية السياسية، وهذا هو الحل العقلاني والوطني الذي يلبي الحاجة إلى التنمية المحلية من دون التضحية بوحدة الدولة وسيادتها
الاختلاف الثالث: المركزية السياسية والعسكرية مقابل الفوضى المسلحة
قد يظن بعض هؤلاء أن دولة الإمارات العربية المتحدة تفتقر إلى حكومة مركزية قوية لأنها دولة اتحادية، وهذا هو الوهم الثالث الذي يسوِّقه دعاة الانفصال، ويجهلون أو يتجاهلون أنها تتمتع بمركزية سياسية وعسكرية صارمة بقيادة العاصمة أبوظبي، رغم لامركزيتها الإدارية والاقتصادية الواسعة، وتتجلى المركزية في جملة أمور من أبرزها:
أن الأمور السيادية الكبرى مثل السياسة الخارجية والدفاع والأمن القومي هي حكر بيد الحكومة الاتحادية، ولا يمكن لأي إمارة من الإمارات الست الأخرى التواصل مع الدول لأغراض سياسية أو عسكرية أو أمنية فضلاً عن أن تعقد اتفاقيات سياسية أو عسكرية معها بشكل مستقل.
أن لديها جيشا واحدا موحدا لا سبعة جيوش، وقيادته وإدارته وتسليحه والإنفاق عليه يتم بشكل مركزي من أبو ظبي، ولا يمكن لأي إمارة أن تشكل جيشا خاصا بها، سواء أكان مستقلا أم داخل الجيش الإماراتي الموحد.
وهنا يكمن التناقض الصارخ مع ما تطالب به قسد والميليشيات الإجرامية الانفصالية الأخرى، فهي تطالب بلامركزية سياسية وعسكرية كاملة وليست لامركزية إدارية فقط، وتريد بناء جيوش خاصة داخل الجيش السوري الموحد، وقوى أمنية مستقلة داخل وزارة الداخلية، وهذا بلا شك ليس نظاما فيدراليا وإنما تقسيم للدولة الواحدة إلى إمارات متحاربة، فوجود جيوش متعددة قائمة على أساس طائفي وعرقي داخل دولة واحدة يعني غياب الدولة نفسها واستمرار الصراع والفوضى إلى ما لا نهاية، وإن استقرت مؤقتا فلن تلبث أن تعود فتشتعل من جديد عند أول شرارة طائفية أو عرقية.
والأخطر من ذلك هو أن هذه الميليشيات (قسد، فلول الساحل، عصابات السويداء) لا تخفي أجنداتها المعادية للحكومة المركزية في دمشق ولم تتوقف عن التآمر عليها علنا، ولا عن التنسيق والتواصل العلني مع أعداء سوريا التاريخيين، وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني، بل قد وصل بهم إلى الطلب منه قصف دمشق، وقد كان في خيانة لا يمكن أن تنسى، وستظل وصمة عار على جبينهم مدى الدهر.
لكن أمام هذه الطروحات المشبوهة ما البديل الوطني؟ هل نكتفي برفضها والتنديد بها؟
في مواجهة هذه المشاريع التقسيمية المدمرة، طرحت الحكومة السورية الجديدة رؤية واضحة وبديلة؛ وهي اللامركزية الإدارية من دون المساس بالمركزية السياسية، وهذا هو الحل العقلاني والوطني الذي يلبي الحاجة إلى التنمية المحلية من دون التضحية بوحدة الدولة وسيادتها؛ فاللامركزية الإدارية تعني منح المحافظات والمجالس المحلية صلاحيات أوسع في إدارة شؤونها الخدمية والتنموية والاقتصادية في إطار ثوابت وطنية لا يمكن تجاوزها، أهمها:
وحدة الأرض والشعب، فسوريا دولة واحدة غير قابلة للتجزئة كما صرح بذلك الرئيس أحمد الشرع وكما هو المنطق، فنحن في عصر تتكتل فيه دول قوية في اتحادات وليس في عصر تفتيت الدولة الواحدة إلى كيانات ضعيفة متناحرة.
مركزية القرار السيادي بأن تبقى السياسة الخارجية والدفاع والأمن القومي والسياسة النقدية واتخاذ وتوقيع الاتفاقيات والمعاهدات ومذكرات التفاهم، وقرار الحرب والسلم في يد الحكومة المركزية في دمشق.
جيش واحد بأن تكون القوات المسلحة السورية هي المؤسسة العسكرية الشرعية الوحيدة المخوَّلة بالدفاع عن الوطن وحماية حدوده وما يستلزم ذلك من احتكار امتلاك السلاح المختلفة وتصنيعها واستيرادها.
هذا هو الفرق بين مشروع بناء الدولة ومشاريع هدمها، ومشروع تقويتها وتكاملها ومشاريع تفتيتها، فاللامركزية الإدارية تقوّي الدولة وتزيد من فعاليتها وتكاملها، واللامركزية السياسية التي تطالب بها الميليشيات مشاريع للتقسيم وتأسيس كانتونات طائفية وعرقية تكون خناجر غدر في ظهر الدولة. ولست أشكُّ ولو للحظة أن استدعاء قسد وأمثالها للنموذج الإماراتي بتشجيع صهيوني صريح ومفضوح هو محاولة يائسة للعب على وتر المظلومية التاريخية، ولإلباس مشروع خيانة وطنٍ ثوبَ الديمقراطية وحقوق الأقليات والعدالة وما إلى ذلك من كلام معسول قد دُسّت فيه كل أنواع السموم، ولست أشك ولو للحظة واحدة أن السوريين -الذين قدموا تضحيات جسيمة لتحرير بلدهم من النظام الساقط ومن الاحتلالين الروسي والمجوسي وميليشياته الطائفية العابرة للحدود- يمتلكون من الوعي الكافي ما يستطيعون به إفشال كل المخططات التي تستهدف وطنهم واستقلالهم، فهم يدركون تماما الفرق بين الدعوات الصادقة للتطوير والإصلاح، وبين المشاريع المشبوهة التي تخدم أجندات خارجية تهدف إلى تدمير سوريا دولةً وهويةً وتاريخا وحاضرا ومستقبلا، ولن تنطلي عليهم مثل تلك الدعوات والشعارات وإن تزينت بأسماء براقة وأضغاث أحلام، وسيحافظون على وحدته مهما كان الثمن غاليا ورغم كل التحديات الداخلية والخارجية.