هل تسعف روسيا النظام السوري؟
12.08.2025
ميادة سفر
هل تسعف روسيا النظام السوري؟
ميادة سفر
العربي الجديد
الاثنين 11/8/2025
تعدّل السلطات الجديدة في سورية توجّهاتها الخارجية، في نتيجة طبيعية لما بعد الأحداث الدامية التي شهدتها البلاد في الساحل السوري قبل أشهر، ولا تزال جاريةً في السويداء جنوبي سورية. أول المتغيّرات خطوة دمشق تجاه موسكو، بزيارة وزيرَي الخارجية والدفاع، أسعد الشيباني ومرهف أبو قصرة، ورئيس جهاز الاستخبارات العامّة حسين سلامة، روسيا للاجتماع بمسؤوليها السياسيين والعسكريين والدبلوماسيين. في الشكل قد لا تُرضي الخطوة بعض السوريين، وهم ليسوا قلّةً، باعتبار روسيا شريكةً في سفك الدم السوري على مدار سنوات الحرب في البلاد، في وقوفها مع نظام بشّار الأسد ودعمها له، وهو الذي صمد بسبب هذا الدعم، إذ أدّى التدخّل الروسي إلى إطالة عمر النظام سنوات عدّة، قبل أن تتيح الظروف الداخلية والدولية (لا تخفى على أحد، فضلاً عن انشغال الروس بالمسألة الأوكرانية) الفرصةَ للفصائل المسلّحة بقيادة هيئة تحرير الشام لإسقاط النظام في 8 ديسمبر (2024)، وجاءت زيارة وزير خارجية سورية موسكو لكسر الجليد، ولتنشيط العلاقات شبه المعلّقة بين البلدَين.
تُطرح أسئلة مختلفة عن تحرّك دمشق المتخوّفة من فقدان الموثوقية، وخصوصاً في الغرب، الذي رحّب ودعم تسلّمها زمام السلطة، لكنّه تفاجأ بالانفلات الأمني والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان وأعمال الانتقام الفظيعة، التي أظهرت عدم قدرة السلطات على ضبط هذه الاعتداءات أو تقديم مرتكبيها إلى المحاكم، ما سمح أيضاً لإسرائيل باستغلال هذه الأحداث بحجّة حماية الدروز، لتمعن في الاحتلال والهيمنة على الجنوب السوري.
أعادت التوتّرات مع الغرب فتح الباب أمام تطبيع العلاقات بين دمشق وموسكو
شكّل الوصول إلى المياه الدافئة حلماً راود الروس، تعود ملامحه إلى مطلع القرن الثامن عشر، في أثناء حكم القيصر بطرس الأكبر الذي فشل في تحقيقه، وستفشل كاترين الثانية (كاترين الكبيرة: 1762 - 1796) في تحقيق ذلك الحلم، وهي التي قالت: "إنّ دمشق تمسك بمفتاح البيت الروسي"، غير أنها تمكّنت من جعله واحداً من متطلّبات الأمن القومي، ليأتي الرئيس فلاديمير بوتين ويحقّق ما عجز أسلافه عنه، فتمكن من إقامة قواعد عسكرية واقتصادية في سورية، مستغلّاً الطلب السوري للمساعدة في الحرب، وتراكم العلاقات العسكرية والسياسية بين البلدَين، إذ تعود العلاقة بينهما إلى ما قبل حكم "البعث" في سورية، بما فيها تسليح الجيش السوري، تلك العلاقة التي ساهمت في تعزيزها المواقف الغربية من سورية بسبب قضايا كثيرة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ودعم المقاومة. واليوم يبدو أنّ التوتّر الذي بدأت ملامحه تتكشّف بعد أحداث محافظة السويداء من الغرب وأميركا تجاه دمشق، أعاد فتح الباب أمام تطبيع العلاقات بين البلدَين.
لم تخرج روسيا من سورية، خلافاً لما ظنّه بعضهم عقب سقوط نظام بشّار الأسد، بل أبقت قواتها في قاعدة حميميم التي لجأ إليها عديدون من ضبّاط النظام السابق وقادته، ومنها خرج بشّار الأسد متجهاً إلى روسيا، موطن لجوئه الإنساني، مع رفض غير قابل للمناقشة من السلطات الروسية بشأن تسليمه لسلطة دمشق مقابل تعهدها بعدم السماح له بالظهور أو الأحاديث الإعلامية وغيرها، وفقاً لما تتناقله الأخبار، فضلاً عن تجديد وجودها في شرق سورية، حيث تسيطر قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فقد شهدت قاعدة القامشلي زيادةً في عدد القوات الموجودة، وتحسيناً في نوعية الأسلحة، تلك البوابة التي يمكن أن تدخل منها روسيا مجدّداً إن لم يحصل التوافق مع حكومة الشرع.
بادرت روسيا، كغيرها من الدول، إلى التواصل مع القيادة السورية الجديدة، حين زار نائب وزير الخارجية، ومبعوث الرئيس الروسي ميخائيل بوغدانوف، دمشق في يناير/ كانون الثاني الماضي، كانت الأولى لمسؤول روسي بعد سقوط نظام بشّار الأسد، تلك الزيارة التي رأى فيها كثيرون أنها تحمل رسائلَ عدّةَ، ورغبةً روسيةً في إعادة تطبيع العلاقات مع السلطات الجديدة، على الرغم من التصريحات القاسية من الأخيرة، وإعلانها الانتقال إلى المعسكر الغربي. ولم يكن اتصال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع إلا استكمالاً لزيارة بوغدانوف، واعترافاً شبه مُعلَن بالسلطة الجديدة، بشكل لا يخفي حرص روسيا على وجودها وقواعدها ضمن الأراضي السورية، بما يشي أنّ مصالحها هي التي تتحكّم بما ستؤول إليه العلاقات لاحقاً.
لموسكو ودمشق مصلحة في منع التقسيم الذي يشكل خطراً على الوجود الروسي في سورية
لم تكن الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع تنوي فتح صفحة جديدة مع موسكو تحاكي ما كانت عليه الأحوال في ظلّ النظام السابق، إلا أنّ الأحداث التي طرأت في المشهد السوري أخيراً، والدعوات إلى تقسيم البلاد بين أقاليم، دفعت دمشق إلى طرق الباب الروسي مجدّداً، إذ تتقاطع مصالح البلدَين في نواحٍ كثيرة، لعلّ أبرزها أنه لا مصلحة لهما في التقسيم، الذي يشكّل خطراً على الوجود الروسي في سورية، ولم تصدُر عن موسكو أيّ تلميحات تشي بدعم وتأييد أيّ حركة انفصالية، سواء في الساحل أو غيره، فضلاً عن أنّ الحديث عن تمديد عقوبات قيصر من الولايات المتحدة، بعد المجازر في السويداء، سيقلّل من حظوظ دمشق في استقطاب الاستثمارات والدعم الغربي، وهو ما سيؤثّر في الأوضاع الداخلية التي تعاني كثيراً من الأزمات، فلم تجد دمشق بدّاً من قبول الدعوة (وربّما الاستجابة للطلب التركي بالاتجاه شرقاً) والتعاطي مع روسيا وطيّ صفحة الماضي، بما يتناسب مع مصالح كلّ منهما.
يحاول بعضهم تصوير تطبيع العلاقات بين روسيا والسلطات الانتقالية في دمشق نوعاً من الشراكة بعد عقد من الحماية والتبعية من النظام السابق، في محاولةٍ لحفظ ماء وجه دمشق أمام جمهورها والمؤيّدين لها، بينما رأى آخرون أن ذهاب دمشق إلى موسكو نقطة ضعف تضاف إلى نقاط تضع علامات استفهام كثيرة بشأن ما تقوم به الحكومة الانتقالية، غير أن من الواضح أنّ ثمّة أسباباً دفعت (وربّما أجبرت) حكّام سورية الجدد على الارتماء مجدّداً في الحضن الروسي، وفق مبدأ لا صداقات ولا عداوات دائمة في السياسة، فالأخطار السياسية والأمنية والاقتصادية التي تهدّد الحكومة الانتقالية قد تدفعها إلى التراجع عن مواقف وتصريحات كثيرة أدلت بها في الأشهر الماضية ضد الدول التي دعمت نظام الأسد من موسكو إلى الصين، وربّما يوماً ما تصل إلى طهران... من يدري؟!
يبقى السؤال: هل تتمكّن روسيا من إنقاذ (أو مساعدة) نظام الشرع على غرار نظام بشّار الأسد؟ وما الثمن الذي سيدفعه السوريون هذه المرّة في سبيل محاولة استقرار بلادهم؟... تظلّ هذه الأسئلة (وغيرها) مدار جدل ونقاش وتحليلات بين السوريين، وبين المحلّلين والمهتمّين بالشأن السوري، وما أكثرهم!