الرئيسة \  تقارير  \  ما ينقذ السوريين هو التفاهم والتوافق

ما ينقذ السوريين هو التفاهم والتوافق

11.08.2025
عبدالباسط سيدا



ما ينقذ السوريين هو التفاهم والتوافق
عبد الباسط سيدا
القدس العربي
الاحد 10/8/2025
لا نذيع سراً، ولا نأتي بكشف جديد، إذا قلنا إن الأوضاع الداخلية في سوريا ليست على ما يُرام. هذه معضلة علينا الاعتراف بها، وبذل الطاقات الحثيثة من أجل معالجتها.
فبعد مرور ثمانية أشهر على سقوط سلطة آل الأسد، ومجيء إدارة جديدة إلى دمشق، لا تبدو في الأفق بوادر إيجابية يمكن البناء عليها، وتوقع الأفضل مستقبلاً إذا ما ظلت الأمور تسير على منوالها الحالي. هذا رغم جهود إدارة الرئيس الشرع اللافتة المطلوبة على صعيد الاتصالات مع الدول؛ ورغم الوعود الكثيرة بشأن رفع مستوى نوعية الخدمات الأساسية في ميادين (الكهرباء والمياه والصحة وغيرها)، بالإضافة إلى الوعود الخاصة بقرب الفرج على صعيد تحسين الظروف المعيشية للمواطنين الذين يعانون الأمرّين من أوضاع قاسية إلى أبعد الحدود، لا يتمكن معظمهم نتيجتها من الحصول على أبسط مقوّمات العيش الكريم.
فالأحداث المؤسفة التي كانت في المنطقة الساحلية، وتلك التي كانت، وما زالت، في محافظة السويداء؛ إلى جانب أحداث أخرى شهدتها مناطق مختلفة في سوريا، كتلك التي شهدتها جرمانا وأشرفية صحنايا، والجريمة النكراء التي كانت في كنيسة مار إلياس في دمشق؛ هذا بالإضافة إلى الحوادث الأمنية شبه اليومية التي يكون المدنيون غالباً ضحاياها، وذلك لأسباب مختلفة؛ كل هذه الأحداث تسببت في تلبّد الأجواء السورية، وتجمع غيوم قاتمة تنذر بالمزيد من الانهيارات والمآسي ما لم يكن هناك جهد جاد، وفعل أكيد لمقاربة الأوضاع بحكمة وصبر وبعد نظر. أما لغة التسويف والوعود المجاملة، وأساليب تشكيل لجان التحقيق على عجل، والقول بأنها ستقدم تقاريرها بكل شفافية، وستتم محاسبة الفاعلين والمقصرين من الذين تسببوا في الأحداث مهما كانت خلفياتهم ومواقعهم؛ كل ذلك بات نتيجة التكرار، وعدم ظهور نتائج واقعية ملموسة لتك الوعود، من الكلام غير المُكترَث به من قبل جمهور واسع من السوريين.
وفي سياق متصل، يبدو أن تركيز الإدارة الجديدة الأساس هو على العلاقات الدولية والإقليمية، وهي تتكا على الشرعية الخارجية في المقام الأول.
إلا أن الشرعية الخارجية تظل في جميع الأحوال شرعية ناقصة، بل شرطية ظرفية ما لم تكن مدعومة بشرعية داخلية تكون دعماً ثابتاً للإدارة الجديدة في مواجهة التحديات الكبرى التي تواجهها سوريا راهناً، وستواجهها مستقبلاً، وفي مقدمة هذه التحديات الصراع الإقليمي الدولي على النفوذ في سوريا؛ وهذا الصراع هو ليس بالأمر الجديد، وإنما هو قديم متجدد يتمحور حول موقع سوريا ودورها في الإقليم.
أما التحدي الرئيس الآخر فهو يتمثل في حدود القدرة على إدارة التنوع السوري. فالمجتمع السوري المتنوع دينياً ومذهبياً وقومياً منذ ما قبل الإسلام، لا يمكن التعامل معه بعقلية فوقية استعلائية أو تكفيرية تخوينية؛ لأن مثل هذا التعامل سيؤدي إلى كوارث تهدد وحدة النسيج المجتمعي السوري، كما تهدد وحدة التراب الوطني السوري.
فالمكوّنات المجتمعية السورية لا تمثل حالة طارئة عابرة مؤقتة، بل أنها كانت وستظل حالة عضوية راسخة في البنية الوطنية السورية. ولا خيار أمام السوريين في هذا المجال سوى البحث عن القواسم المشتركة بغية التركيز عليها؛ والعمل على تحسين قواعد العيش المشترك المستدام، لتصبح عوامل جمع وتوافق، لا صواعق تفجير وتدمير. وهذا يستوجب احترام مشاعر ضحايا الظلم المتراكم؛ واستيعاب المطالب؛ وإزالة الهواجس؛ وتعزيز أسس الثقة؛ وتمتين الأواصر الوطنية الجامعة. وكل ذلك لا يمكن تحقيقه من دون حوار وطني حقيقي يضع النقاط على الحروف، ويحدد المشكلات، ويبحث عن الحلول. حوار يركز على المشترك السوري، ويتفهّم مخاوف سائر المكوّنات المجتمعية السورية من دون أي استثناء. حوار تكون حصيلته التوافق على عقد اجتماعي وطني عام جامع، يحترم الخصوصيات، ويحدد مبادئ التشارك في الإدارة، بالحقوق مقابل الالتزام بالواجبات الوطنية.
أما الخطوات المتسرعة التي كانت حتى الآن، مثل مؤتمر الحوار الوطني، والإعلان الدستوري، وتشكيل لجان تحقيق تفتقر إلى الاستقلالية والمستوى المهني الرفيع بخصوص أحداث الساحل والسويداء، فهي خطوات لم تؤد إلى المطلوب المنتظر؛ ولم تحظ بثقة السوريين بصورة عامة. هذا في حين أن السواد الأعظم من السوريين كانوا منتشين بسقوط سلطة آل الأسد، واستبشروا خيراً بقدوم الإدارة الجديدة.
ولكن مع التسرع في اتخاذ القرارات غير المدروسة بصورة جيدة، وتراكم الأخطاء نتيجة ذلك، وعدم تحسن الظروف المعيشية ولو ضمن الحدود الدنيا، وارتفاع الأسعار بصورة غير معقولة، وانعدام شبه تام للخدمات الأساسية الضرورية؛ وشعور الناس بعد حوادث متفرقة هنا وهناك بعدم وجود ضوابط صارمة للمحافظة على أمن المواطنين وسلامتهم؛ كل ذلك أدى إلى توسع دائرة المنتقدين؛ وهذا يتطلب التمعن جيداً لفهم الأسباب، والسعي لطمأنة الناس بالأقوال والأفعال.
أما التحدي الأكبر فهو التحدي الوجودي الذي لا يجوز أبداً تجاهله أو الاستهانة به. فهو التحدي الخاص بالمستقبل السوري مجتمعاً ووطناً. فبعد الأحداث المؤسفة التي كانت، وما زالت تبعاتها مستمرة؛ هناك خشية حقيقية مشروعة بشأن مستقبل العلاقات بين المكونات المجتمعية السورية التي من المفروض أن تعطي الأولوية للولاء الوطني العام. ولكن بعد كل الذي حصل، يُلاحظ أن الولاءات الفرعية غدت هي الحاضرة وبقوة في المشهد السوري العام؛ وذلك نتيجة المخاوف من إمكانية تجدد الحوادث الأليمة في الأماكن ذاتها، أو في أماكن أخرى.
وفي موازاة هذا التحدي، هناك جملة تساؤلات تُطرح من قبل السوريين اليوم، وبصورة أكثر صراحة وإلحاحاً من أي وقت مضى، وهي تساؤلات تتناول شكل الدولة السورية وطبيعة نظامها، وتقسيم السلطات فيها، وغير ذلك من الأسئلة المحورية التي لا يمكن تجاهلها إذا كانت هناك رغبة حقيقية في بناء دولة مؤسسات عادلة متوازنة، تقف على مسافة إيجابية واحدة من جميع مواطنيها بغض النظر عن انتماءاتهم وتوجهاتهم.
هل ستعتمد الدولة السورية النظام المركزي كما كان عليه الحال في عهد سلطة آل الأسد، أم أنها ستأخذ بالنظام اللامركزي الإداري الموسع أو غيره؟ وتجدر الإشارة هنا إلى أن النظام اللامركزي الإداري الموسع اعتمدته غالبية وثائق مؤتمرات ولقاءات قوى الثورة والمعارضة السورية خلال مرحلة الثورة.
هذه الأسئلة وغيرها، لا يمكن المصادرة عليها عبر فرض مواقف من جانب إدارة انتقالية لم تكتسب الشرعية القانونية وفق الآليات المعروفة في سائر الأنظمة الديمقراطية أو السائرة على طريق الديمقراطية؛ وحتى الأنظمة غير الديمقراطية. فهناك آليات لا بد من الأخذ بها ليتمكن المواطنون البالغون من الجنسين التعبير عن آرائهم بحرية، على أن يكون رأي الأغلبية في النهاية هو الأساس لشرعنة المؤسسات والسلطات.
ولكن هذا ليس معناه اتخاذ الموقف العدمي التعجيزي الذي يشكك بعض أصحابه في كل شيء ومن دون تقديم أي حل واقعي مقنع يجنب البلاد المزيد من الفوضى والانقسامات والصدامات؛ ويقطع الطريق على حرب أهلية ستبتلع في حال نشوبها، لا سمح الله، الأخضر واليابس.
ما نحتاج إليه اليوم هو الحوار الوطني الفعّال الشامل. فالمشكلات كبيرة؛ ولا يمكن حلها بأنصاف الحلول أو أشباهها. وإدارة سوريا بتنوعها وموقعها وأهميتها هي أكبر من طاقة مجموعة بعينها بغض النظر عما إذا كانت إسلامية أم مدنية أم قومية. سوريا تحتاج إلى جهود كل القوى والأحزاب السياسية، وهذا ما لا يمكن تحقيقه من دون لقاء عام يجمع بين أصحاب القرار في الإدارة السورية، وممثلي المكونات المجتمعية والقوى والأحزاب والشخصيات السياسية السورية. لقاء تجري فيه مناقشة جميع القضايا والمشكلات، وتطرح سائر الهواجس، بموضوعية وشجاعة وحرص على التعاون المشترك من أجل تجاوز المرحلة الانتقالية بأقل الخسائر الممكنة.
وكلما تأخرنا في إجراء مثل هذا الحوار الحيوي المطلوب أدى ذلك إلى المزيد من الأخطاء والتباعد والتوتر على مختلف المستويات. ونحن نعلم أن هناك قوى إقليمية ودولية متحفزة تستعد للانقضاض على الغنيمة السورية وفق حساباتها ومصالحها. وهذه حقيقة قائمة يتلمّسها المرء بمختلف الأشكال بصورة يومية؛ وهي قوى قد تتعارض رؤاها أحياناً، وقد تتوافق؛ ولكنها بصورة عامة تتعامل مع الملف السوري من زاوية توجهاتها الاستراتيجية الخاصة بالمنطقة وسوريا تحديداً.
هذه الأوضاع المعقدة التي تعيشها سوريا راهناً تؤكد أهمية وضرورة الدور العربي، خاصة دور دول مجلس التعاون الخليجي التي لديها القدرة على التحرك في مختلف الاتجاهات، والتواصل مع مختلف الأطراف على مستوى الداخل السوري والخارج الإقليمي والدولي.
ولكن الحقيقة التي ينبغي ألاّ تغيب عن أذهاننا هي أن دول الخليج وغيرها من الدول العربية يمكنها أن تساعد وبقوة، ولكنها لا تمتلك العصا السحرية التي تمكّنها من معالجة مشكلات السوريين جميعها. فهناك الكثير من هذه المشكلات لا تحل من دون تفاهم السوريين وتوافقهم. وفي كل الأحوال علينا أن ندرك أن المخاطر التي تتفاقم تهدد الجميع في سوريا وعلى مستوى الإقليم؛ ورغم كل ما حدث ويحدث؛ ما زلنا نعتقد أن الوضع قابل للمعالجة من خلال نزع أسباب الانفجار، وتعزيز امكانيات التفاهم والتوافق بالأفعال لا بالأقوال.
*كاتب وأكاديمي سوري