وجهة نظر :
"لا نقيل ولا نستقيل"
زهير سالم*
هذه العبارة مروية عن سادتنا الأنصار، بعد بيعة العقبة الثانية.
اشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه بعد تثبيت إيمانهم بالله ورسوله، أنه إذا تحول إليهم أن يمنعوه، مما يمنعون منه إزرهم. أي أعراضهم.
تساءل سادتنا الأنصار رضي الله عنهم: فما لنا إذا نحن وفينا بذلك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الجنة..!!
فقالوا رضي الله عنهم: "ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل."
بمعنى نقبل العهد والوعد، لا نحِلُّ منه ولا نتنازل عنه.
عهدنا مع ربنا علينا ولنا…
وهو عهد ما زلنا نسأله تعالى أن يعيننا على الوفاء عليه.
والعهد مع الله سبحانه تعالى لا ينحصر في صورة عهد أو بيعة لشخص أو مجموعة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين..
وإنما لكل رجل من المسلمين أن يجد لنفسه مرجعا في صورة مرشد أو ناصح فيعاهده على التناصح والنصح للمسلمين والتعاون على شعب البر والتقوى.. والوفاء بمقتضياتها والتزاماتها وما تقتضيه من بذل وتضحيات وعطاء.. وهذا العهد في أصله مع الله سبحانه وتعالى..
ويكون هذا العهد في بعض صوره، ما عبرت عنه سورة العصر. يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "لو تأمل الناس سورة العصر لوسعتهم أو لكفتهم"
(وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ
إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.
وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبر)
وعلى التواصي بالحق والتواصي بالصبر كان عهدنا.
العهد مع الناس له حكمه والأصل فيه البر والوفاء.
أما العهد مع الله فإن المسلم كما قلنا لا يقيل منه ولا يستقيل
ومعنى لا يقيل أنه يظل واقفا بباب ربه يسأله القبول: يقول له يا رب وأنت كتبت على نفسك رحمتنا، (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) وأنت ألزمت نفسك بنصرنا (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) ونحن عبادك الضعفاء ما زلنا على عهدنا وعقدنا معك ما استطعنا. فأعنا على الوفاء وتقبله منا وأوف لنا وتصدق علينا..
وسئل شيخنا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى عن جماعة الإخوان المسلمين ومكانتها بين الناس فقال: من حيث واقع الأمر ففي عموم المسلمين الأفراد من الصلحاء والعلماء والداعين إلى سبيل الله، من هو أفضل من كل فرد في جماعة الإخوان المسلمين. ولكن في المعيار العام فإن جماعة الإخوان المسلمين بمنهجها وشمولها وتصديها لدعوة الحق، ونصرة الإسلام، والذود عنها هي أكثر الجماعات الإسلامية شمولا، وأصحها حضورا. وإنها غرسة رجل صالح هو الإمام الشهيد حسن البنا.. ومن علائم خلوص نيته ما كتب الله لها من السيرورة والانتشار والقبول.
ولقد تعاقب على أمر هذه الجماعة حتى اليوم ثلاثة أجيال، رفدها كل فرد من أفرادها بما استطاع، القوي بقوته والضعيف بضعفه، ومع تكالب عصائب الشر من أهل الأرض عليها، وقد رموها في هذا الجيل عن قوس واحدة، وأجلبوا عليها بكل ما في أيديهم من قدرات ووسائل، مستعينين بكل أشرار أهل الأرض، وأمثالهم ممن قصرت عقولهم، أو ضعفت نفوسهم، فإن هذه الجماعة ما تزال، رغم كل ذلك، تناضل وتحاول الدفع عن الإسلام العقيدة والشريعة ومنهج الحياة.
ولا عجب أن يرى فيها أبناؤها الجبهة الأصلح والأبقى للنضال عن الإسلام وأهله.. حتى يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده. وفرق بين مسلم يخلي ثغرته، وبين مسلم يعهد بها إلى من هو أقدر عليها، (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) وما زالت أجيال هذه الأمة تتوالى على حمايتها وحفظها تحت عناوين تختلف وتبقى الراية هي الراية التي لا يختلف عليها أهل الإسلام..
نبي من أنبياء الله قال لقومه (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً)
كثير من البسطاء يظنون ان الإنسان يقعد عن العلى بقصور همة أو ضعف عزيمة، أو قصور رؤية.. ولو علموا الحقيقة لعذروا وما عزلوا..
العهد على المسلم العامل أن يظل عاملا مرابطا مدافعا نافعا آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، ما استطاع، والوفاء في الأمر كله إنما يكون مع الله سبحانه وتعالى. وربما يكون مرابطا على جبهة فينسحب منها متحيزا إلى أخرى… قال: (مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ)
لذا فإن الأليق في التعبير، وللألفاظ فقهها في صناعة العقود في الإسلام، أن يقول المسلم: انسحبت دون استقلت
يقول: انسحبتُ من مصاف إلى مصاف، وتحولتُ من ثغرة إلى ثغرة، وما لإخواني عندي إلا البر والوفاء.. وهذا أيضا كلام يقال وهو أندى وأبقى وأصدق وأبر…
اللهم ثبتنا بقولك الثابت
اللهم امض لنا بيعتنا معك ومع أوليائك لا نقيل ولا نستقيل، وأمض لنا هجرتنا إليك، حتى تزول عن الشام وأهله آخر ما أسس له حافظ الأسد وابنه من بعده.
اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين قضوا نحبهم في حماة وفي حلب وفي إدلب وفي تدمر وفي صيدنايا وفي كل سجون الطغاة والظالمين ما بين طنجة وجاكرتا اللهم آمين
(رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)
لندن: 15 صفر/ 1447
10/ 8/ 2025
____________
*مدير مركز الشرق العربي