الرئيسة \
تقارير \ ملف المفقودين في سوريا.. معركة لاتنتهي من أجل الحقيقة والعدالة
ملف المفقودين في سوريا.. معركة لاتنتهي من أجل الحقيقة والعدالة
12.08.2025
وفاء عبيدو
ملف المفقودين في سوريا.. معركة لاتنتهي من أجل الحقيقة والعدالة
وفاء عبيدو
سوريا تي في
الاثنين 11/8/2025
بعد سقوط النظام السوري وفتح أبواب السجون، ترقب السوريون لحظة الإفراج عن آلاف المعتقلين، على أمل أن تعود الوجوه الغائبة إلى بيوتها. لكن الصدمة كانت قاسية، إذ خرج من بقي على قيد الحياة فقط. عندها بدأت رحلة بحث جديدة، فتوزعت العائلات بين من ينتظر أمام الأفرع الأمنية والمشافي، ومن يجوب الشوارع لعلّه يلتقي صدفة بمن فقده، في حين انشغل آخرون بالتفتيش في القوائم والصور بحثًا عن اسم أو رقم يعيد إليهم الأمل.
ومع مرور الأيام بدأ الأمل يتآكل والطرقات لم تعد تؤدي إلى اللقاء بل إلى سجلات الموتى إلى الأرشيفات المحروقة، وإلى الوثائق التي كُتب عليها “مجهول الهوية” أو “قضى تحت التعذيب”، وقفت الأمهات منكسرة بالأمل الذي خذلها، و والآباء يجثون على الأرض بحثًا عن بقايا أبنائهم حتى لو كانت اسمًا على ورقة أو رقمًا في ملف، أما الأخوات كانت أصواتهن تمزّق الصمت ويُمزقهن الوجع، فتصرخ إحداهن أمام بوابة مغلقة بصوت يشبه صدى كل السنين الماضية “جيتك من آخر الدنيا يا أخويا، وباب الحبس سكّروا بابو يا أخويا، وبيها السبع يسرج بنابو يا أخويا، يا جمار قلبي عليك وعلى سوريا كلها.”
ذلك الوجع لم يعد مجرد حكاية فردية إنما أصبح قضية وطن بِرُمَّته، عشرات الآلاف من العائلات السورية ما زالت تحمل وجع الغياب وتتمسك بآخر خيط للعدالة، أن يُكشف مصير أحبّتهم، أن تُسمى أسماؤهم، أن يُعاد لهم مكانهم في الذاكرة وفي الوطن.
لازال يبحث عن "بقايا روح"
ليست كل الحروب تنتهي بسقوط نظام أو تبدّل سلطة، في سوريا هناك معارك لا تتوقف يخوضها الآباء والأمهات بصمت يومي، بحثًا عن أثر عن اسم عن جثمان، أو عن لحظة وداع تأخرت سنوات طويلة، من بين هذه الأصوات برهان مروان الذي يروي لموقع تلفزيون سوريا حكاية اختفاء ابنه الوحيد الذي بدأت ولم تنتهِ بعد، بالرغْم من انكشاف كثير من الأوراق بعد سقوط النظام.
“اختفى ابني في 27 كانون الثاني 2014، كنتُ في بلودان عندما بلغني أن الأمن العسكري اعتقله من داخل كلية الإعلام بدمشق”، حاول برهان أن يشرح بصوت هادئ يخفي تحته طبقات من الألم، كيف سعى جاهدًا الوصول إلى معلومة مؤكدة حول مصير ابنه، في حين كان نفسه مطلوبًا للنظام ما جعل أي تحرّك مباشر محفوفًا بالخطر، ورغم استعانته بوسطاء وجهات وطرق عدة إلا أن جميع الأبواب بقيت موصدة.
ويضيف لموقع تلفزيون سوريا “أن أفقد ابني الوحيد، هذا يعني أنني فقدت الجزء الأكبر من حياتي، حاضري ومستقبلي، نحن نرى أبناءنا امتدادًا لنا هم المستقبل وهو كان أملي الوحيد”، لا يزال يتذكر كل التفاصيل التي تربطه به، أولها صورته حين نجح في البكالوريا، وكان ترتيبه الأول على المحافظة، وتابع ما يدور في ذاكرته “قلي بدي كلية إعلام يا بابا”، وأشار له بإشارة الإعجاب بيده، توقف برهان عن الحديث للحظة وكأنه يبتلع ما هو أكثر ألمًا، ثم أضاف “كلما سمعت اسمه، أراه أمامي بتلك اللحظة”.
حين سقط النظام المخلوع استقبل برهان الخبر بمزيج من الفرح والترقّب والخوف لم تكن الفرحة خالصة، بل مربوطة بسؤال ثقيل هل سيظهر أثر لابنه؟ هل ما زال حيًا؟ لكنه، مع مرور الأيام، بدأ يشعر أن الأمل يتبدّد، حتى مرّ أسبوع على السقوط، وتيقّن أنه لن يعود، “تعايشت مع الفكرة، أو هكذا ظننت".
برهان لم يكن فقط والد معتقل، بل ناشطا في ملف المفقودين منذ ما قبل التحرير، حيث عمل مع مجموعات في إسطنبول وشكّل مع معتقلين سابقين مبادرة باسم “ناجون”، والتقوا عدة مسؤولين في منظمات دولية إنسانية وحقوقية من خلال هذه الجهود، وبعد التحرير تلقى المعلومة المؤلمة “علمت أن ابني استشهد تحت التعذيب بتاريخ 18 حزيران 2015، في مشفى تشرين العسكري بدمشق”.
ورغم ذلك، لم يشارك في البحث ضمن أرشيفات الأفرع الأمنية، بل استمر بالتواصل من خلال المبادرة مع عائلات ملف “قيصر” وتجمّعات أخرى، “أنا أعلم أنه استشهد، وأعرف أنني لن أراه حيًا، لكنني ما زلت أطالب بالحقيقة. أريد أن أعرف حيثيات موته أريد له قبرًا، أريد أي شيء يخصه أي شيء”.
برهان لا يتوانى عن السؤال، لكنه يشير إلى أن الناس من حوله باتوا يتحاشون الحديث، “كأنهم يسألون في أنفسهم ليش بعدك عم تدور؟ ربما بدافع الحياء، أو لأنهم لا يعرفون كيف يخففون هذا الحمل”. لكنه لا يطلب تعاطفًا بل موقفًا، كما يطالب الدول والمؤسسات الدولية بالتحرك الجاد نحو تحقيق العدالة الانتقالية، وتفعيل المحاكم العادلة والعلنية ومحاسبة مرتكبي الجرائم، أيّاً كانت الجهة التي تقف وراءها، كما يجدد مطلبه الأساسي أن يُحاسب كل من متسبب باختفاء شخص أخر، ومن أمر وغطّى وشارك.
كما وجّه رسالة قصيرة لآباء وأمهات المغيّبين “استمرّوا لا تيأسوا الحقيقة لا بد أن تظهر، ولو بعد حين”، مختتمًا حديثه بأمنية وكلمات بسيطة وعميقة قائلًا “أتمنى أن يُكتب على ملفه إن وجد استُشهد من أجل الحرية وحب الناس".
وفي تقرير استقصائي نشرته وكالة رويترز
بتاريخ 27 شباط 2025، كشفت معلومات صادمة عن مصير مئات السوريين الذين فُقدوا قسرًا خلال السنوات الأولى للثورة، إذ وثّق مركز العدالة والمساءلة في سوريا (SJAC) وفاة أكثر من 1,000 معتقل داخل سجن سري في مطار المزة العسكري بدمشق، حيث حُوّلت صالات الطيران ومخازن المطار إلى غرف تعذيب واحتجاز.
التقرير الذي استند إلى شهادات ناجين ووثائق أمنية وصور أقمار صناعية، أشار إلى وجود سبعة مواقع لمقابر جماعية محتملة في محيط المطار ومقبرة نجها، دفن فيها الضحايا بعيدًا عن أعين ذويهم.
ويؤكد التقرير أن الغالبية الساحقة من المعتقلين قضوا تحت التعذيب أو بسبب الإهمال الطبي وسوء المعاملة، دون أن تتاح لعائلاتهم أي معلومة عن مصيرهم، ما يسلّط الضوء على الطبيعة الممنهجة لجريمة الإخفاء القسري، ويعزز مطالب المحاسبة الدولية وفتح تحقيقات شفافة تكشف مصير الضحايا والمسؤولين عن الجرائم.
سوريون مغيبون قسرا.. "نريد كشف الحقيقة"
لم تكن فرحة سقوط نظام الأسد سوى لحظة عابرة في حياة كثير من السوريين، لا سيما أولئك الذين يعيشون منذ سنوات في انتظار خبر عن أحبّائهم المغيّبين قسرًا، والذين اختفوا داخل المعتقلات من دون أثر أو جواب.
بالنسبة لعائلات المعتقلين لم يكن انهيار النظام لحظة خلاص، بل بداية مرحلة أكثر قسوة حيث لم تُفتح أبواب السجون على من كانوا بداخلها، ولم تُكشف الملفات ولم يُعلن عن مصير آلاف السوريين الذين ما زالوا في حكم المجهول.
يمثل صوت انتصار، واحدًا من بين آلاف الأصوات التي تبحث عن مصير أحبة غادروا ذات يوم ولم يعودوا، في حديثها لموقع تلفزيون سوريا، تستعيد لحظة الرحيل وقالت "في 28 آذار 2014، قرر زوجي العودة من تركيا إلى سوريا لجلب حاجياتنا وأموالنا، لأننا حين غادرنا البلد هاربين من قصف الطيران، لم نأخذ معنا شيئًا لم يكن لدينا خيار حينها كنا نهرب من الموت، وحين عاد اختفى ولم يعد بعد ذلك أبدًا".
مشيرًة إلى إنها تلقت كثيراً من الإشاعات بعد غيابه، لكنها كانت متيقظة ولم تنسَق وراء الكلام، لأن كل من جاء بمعلومة كان يطلب المال مقابلها، وتصف حياتها في تلك المرحلة بالصعبة جدًا، إذ وجدت نفسها في بلد غريب، لا تتقن لغته ولا تملك المال، وتعتني بثلاث فتيات صغار وحدها.
موضحًة أنها لطالما انتظرت عودته لا على أمل الرجوع فقط، بل لأنه كان يشكّل السند الوحيد لها في هذه الحياة، الكتف الذي يحميها ويشاركها الأعباء لكنه لم يعد، وتابعت قائلًة "تعبت من استغلال الناس وتعبت من الانتظار والبحث، كان همّي الوحيد أطفالي، أن أحميهم وأتابع تعليمهم، حتى ما يضيعوا كما ضاع والدهم".
مع مرور السنوات لم ينطفئ الأمل فقط بل تحوّل إلى شعور دائم بالخذلان والضياع، وقالت “كان شعوري الدائم أنه تركني وحدي مع هذا الغياب”، وأضافت “عندما سقط النظام فرحنا ولكن بعد فتح السجون، لم نجد أسماءهم ولم نرَ حتى بقاياهم، أدركنا حينها أن المعاناة أكبر وإلى اليوم لا نعرف أين هم ولم يتم كشف الحقيقة”.
انتصار التي ما زالت تخضع لعلاج نفسي منذ سنوات، تحتفظ ببعض أغراض زوجها في منزلها، كأنها تحاول أن تُبقيه حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، وأطفالها الذين كبروا وهم يعيشون هذه القصة يعانون آثار الفقدان. وتؤكد: “لن ننسى من فقدناهم في ثورتنا، يجب أن نعرف مصيرهم، ويجب محاسبة من تسبب في تغييبهم، العدالة ليست ترفًا بل حق”، وتابعت “أنا لا أريد العودة إلى وطني، لأنني أخاف من أن يُقصى صوتي، في ظل عدم وجود كشف حقائق لا يوجد ما يحمينا لا قوانين لا مؤسسات لا ضمانات سوى البدء بالحقيقة”.
كما توجّهت إلى الجهات المعنية قائلة “أطالب بكشف مصير المعتقلين، سواء في سجون النظام أو في سجون المعارضة أو أي جهة مسلّحة، لا أحد يملك الحق في أن يُغيّب إنسانًا دون محاسبة، كما أطالب بإعادة الممتلكات المنهوبة لعائلات الضحايا، وردّ الحقوق إلى أصحابها”.
واختتمت انتصار حديثها “أتمنى فقط أن ألتقي يومًا بمن تسبب في اختفائه، وأشهد محاسبته هناك قصص أكثر ألمًا من قصتي، لكنني أريد الحقيقة فقط لا أريد أن أعيش بقية عمري في هذا الفراغ نريد معرفة المصير نريد العدالة”.
العدالة لا تبدأ من الصفر.. ما مسؤولية الدولة تجاه المغيبين قسرا؟
يرى المحامي والخبير في العدالة الانتقالية معتصم الكيلاني، أن لحظة سقوط النظام ليست مجرد محطة سياسية بل لحظة تأسيسية ترتب على الدولة الجديدة التزامات قانونية صارمة بموجب قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، لا سيما فيما يخص ملف الاختفاء القسري والاعتقال خارج القانون.
هذه اللحظة المفصلية تُسقط الغطاء السياسي عن الجرائم السابقة، وتدفع الدولة إلى واجب الكشف عن الحقيقة لا كخيار سياسي أو أخلاقي، بل كالتزام قانوني مباشر وفق مبادئ العدالة الانتقالية.
التحول الجوهري وَفْق الكيلاني يكمن في الانتقال من مرحلة الإنكار إلى الإقرار بوجود الجريمة، وهو ما يفتح الباب أمام مسارات وطنية للتحقيق والمحاسبة، رغم أن البنى المؤسسية المرتبطة بالأمن والاحتجاز لا تزل في طور التفكيك وإعادة التقييم، وهذا ما يُفسر حَسَبَ رأيه، عدم فتح الأرشيف الأمني بشكل كامل حتى الآن بما في ذلك أرشيف الأفرع الأمنية وسجن صيدنايا، لأسباب تتعلق بسلامة التحقيقات، وتأمين الوثائق، وضمان عدم العبث بها قبل نقلها إلى جهات قضائية وطنية أو محايدة.
وفيما يتعلق بالاستجابة الرسمية الجديدة، يعتبر الكيلاني أن إنشاء هيئة وطنية للمفقودين وأخرى للعدالة الانتقالية هو خطوة أولى ضرورية لكنها غير كافية، فهي وإن كانت تؤسس للإطار القانوني إلا أن نجاحها مرهون بمدى استقلاليتها وبتحوّل إدارة ملف المغيبين من يد الأجهزة الأمنية إلى مؤسسات مدنية وقضائية محايدة، ما يُعدّ تحولًا جوهريًا في فلسفة الدولة بعد عقود من الاستبداد.
ومن منظور عملي يشير الكيلاني إلى ضرورة فتح أرشيفات الأجهزة الأمنية وسجون النظام السابق تحت إشراف قضائي وحقوقي وطني مستقل، وضمان أن تكون هيئة المفقودين الوطنية قادرة قانونيًا على الوصول إلى هذه السجلات، والمقابر الجماعية ومراكز الاحتجاز السابقة، كما يجب أن يُدمج ملف المغيبين ضمن برامج هيئة العدالة الانتقالية كمكوّن مستقل تحت مسمى “حق الضحايا في معرفة الحقيقة”، وأن يُعتمد مبدأ الإفراج الكامل عن المعلومات كحق غير قابل للتفاوض.
كما يرى أن العدالة الانتقالية لا تكتمل من دون أربعة أعمدة أساسية هي الحق في معرفة الحقيقة، والحق في العدالة والمحاسبة، والحق في جبر الضرر والتعويض، وضمانات عدم التكرار، ولهذا لا بد من تأسيس أطر مؤسساتية دستورية ومستقلة تتولى إدارة هذا الملف وفق معايير القانون الدولي، تبدأ بتشريع وطني خاص بالعدالة الانتقالية يضمن استقلالية التحقيقات ويحمي الضحايا والشهود، ويمنح الهيئة الوطنية صلاحية الوصول إلى الأدلة وملاحقة المنتهكين من دون أي حصانة.
كما يقترح إنشاء نيابة عامة مختصة بجرائم الماضي، تتضمن وحدة خاصة بالإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي، وغرفة محكمة خاصة لمحاكمة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مع تأهيل كامل للقضاة والمحققين والمدعين العامين.
أما هيئة المفقودين الوطنية، فيجب أن تكون المرجعية الوحيدة لهذا الملف، على أن تتمتع بصلاحيات حقيقية تشمل التوثيق، والاستماع للشهادات، والوصول إلى المرافق الأمنية السابقة، وإنشاء سجل وطني موحد للمفقودين والمغيبين يُستخدم كأساس قانوني في المحاكم وبرامج التعويض.
وفي سياق متصل، سلّط تقرير
نشرته صحيفة فايننشال تايمز مطلع عام 2025 الضوء على السباق المحموم الذي تخوضه فرق التحقيق المحلية والدولية لحفظ الأدلة التي توثّق الفظائع المرتكبة في عهد النظام السابق، وعلى رأسها جرائم التعذيب والاختفاء القسري.
وأشار التقرير إلى أن مئات الوثائق الأمنية، والسجلات والصور وحتى رفات الضحايا، باتت مهددة بالضياع في ظل الفوضى التي أعقبت سقوط النظام، ما يجعل من تأمينها ضرورة ملحة لضمان استخدامها لاحقًا في محاكمات عادلة.
كما نقلت الصحيفة عن محققين أن هذه المرحلة تمثل “سباقًا مع الزمن” لتثبيت الحقيقة قبل أن تُطمس الأدلة أو تُفقد، مؤكدة أن غياب البنية القانونية لحماية هذه المواد قد يُفشل جهود العدالة الانتقالية، ويُبقي عائلات المغيبين رهائن للانتظار والإنكار.
ملف المغيبين مسؤولية وطنية
يضع المحامي الكيلاني تصورًا قانونيًا متكاملًا للتعامل مع ملف المغيبين قسرًا، مؤكدًا أن العدالة لا تُبنى بالشعارات بل بقرارات سيادية وتشريعات نافذة.
ويشدد على أن الحقيقة شرطٌ للسلم الأهلي، وأن إدارة هذا الملف يجب أن تكون بمرجعية وطنية تضمن الكرامة والحقوق محذّرًا من ترك الملف للمناشدات الفردية لأن في ذلك انزلاقًا من نطاق الحق إلى مساحة الاستعطاف، وهو ما يُعدّ انتكاسة قانونية وأخلاقية.
وفي معرض حديثه عن التوفيق بين الحقيقة والسلم الأهلي، يرى الكيلاني أن الحقيقة ليست نقيضًا للسلم بل شرطًا له، فالمصالحة من دون كشف حقيقة لا تبني سلامًا بل تؤسس لاتفاق هش، موضحًا أن العدالة يجب أن تقوم على مبدأ “المساءلة لا الانتقام”، مع التمييز بين المسؤولية الفردية والجماعية، واستخدام آليات تصالحية فقط في الجرائم غير الجسيمة مع استثناء قاطع لجرائم الإخفاء القسري من أي عفو أو تسوية.
وفي رؤيته المستقبلية، يدعو إلى إصدار قانون خاص بالمفقودين والمخفيين قسرًا، وتفويض هيئة العدالة الانتقالية بصلاحيات الادعاء وإشراك المجتمع المدني في الرقابة على هذه العمليات وفق إطار قانوني واضح، وتجريم الطائفية وخطاب الكراهية بوصفها بيئات حاضنة للانتهاكات.
موكدًا أن الملف لا يجوز أن يُدار من الخارج أو من قبل منظمات دولية من دون مرجعية وطنية، لأنه ملف سيادي بامتياز يرتبط بدماء السوريين وكرامتهم، والتعاون الدولي يجب أن يظل محصورًا في الدعم الفني والاستشاري، لا في القيادة أو الوصاية، كما أن المنظمات السورية تمتلك بيانات موثّقة، ويجب أن تُنظَّم عملية مشاركتها مع الجهات القضائية الوطنية وفق قواعد صارمة تضمن الحماية والسرية والجدوى القانونية.
أما على صعيد التحديات فيشير إلى وجود صعوبات حقيقية، مثل تغييب الوثائق الرسمية، وتضارب المبادرات غير المنسقة، وافتقار بعضها لمعايير التوثيق القضائي، ولذلك يدعو إلى إصدار قانون وطني للتوثيق الجنائي، وتوحيد الجهود في برنامج معلوماتي وطني تُديره هيئة المفقودين الوطنية بالتنسيق مع هيئة العدالة الانتقالية.
ومن وجهة نظره القانونية، فإن ذوي المغيبين يُعدّون ضحايا مباشرين لا مجرد أطراف معنوية، ويحق لهم المطالبة بمعرفة الحقيقة والاعتراف الرسمي، والتعويض القانوني، والمشاركة في السياسات العامة، والحماية من أي تمييز وهذه الحقوق لا تسقط بالتقادم، ولا يجوز إسقاطها في أي عملية تسوية أو إعادة بناء.
كما يُحذّر من الاقتصار على الحقيقة من دون عدالة، لأن ذلك يفتح الباب لإعادة إنتاج الانتهاك بوجه جديد، ولهذا يطالب بقانون يُلزم جميع مؤسسات الدولة بكشف الحقيقة ويضمن تمثيل الضحايا في هيئة المفقودين، ويُدرج الحق في الحقيقة في الدستور، ويُطلق برامج جبر ضرر مادي ومعنوي للأهالي.
ويدعو الكيلاني إلى توثيق الشهادات والسرديات الشخصية ضمن إطار قانوني، فهي ليست مجرد ذكريات بل أدوات إثبات ومحاكم، وهي التي تبني الذاكرة الوطنية وتحمي السلم الأهلي من الانقسام والتشظي.
وفي ختام حديثه، يؤكد الكيلاني أن الخطوة التالية يجب أن تكون بتفعيل هيئتي العدالة الانتقالية والمفقودين عبر قانون خاص يمنحهم صلاحيات سيادية مستقلة، وأن نجاح هذه الهيئات مرهون بالدعم السياسي، والإرادة الوطنية، والموارد القانونية والبشرية، مشددًا على أن العدالة ليست فعلًا رمزيًا بل أساس الدولة الجديدة، وبداية بناء سوريا تُحترم فيها الكرامة، وتُصان فيها الحقوق، وتُكرَّم فيها الذاكرة لا تُمحى.