غداء بلدي من عصر "الجمل بعتميني وعتميني ما في"..
زهير سالم
24/5/2026
وقلت غداء بلدي ولم أقل "حلبي" لأن المدن والبلدات السورية تتشارك في كثير من إرثها الثقافي أو الحضاري.
وأنا عندي عنوانان أصر عليهما، أؤكد في الأول، أن "الأكل ثقافة" وفي الثاني "أن الأكل حضارة"
والثقافة والحضارة، لا تتمثلان فقط في الوجبات الدسمة، والطبخات المركبة، فقط، بل تتمثل في كثير من الأحيان، بالوجبات البسيطة، التي يتبعها دائما حمد وشكر يليقان بجلال المعطي وكماله وجماله…
في مثل هذه الأيام الحارة من أواخر الربيع، وإطلالة القيظ، وحيث تزدحم الاسواق بمنتجات الالبان ، وكان يكون سعر كيلو اللبن، واللبن عندنا في حلب، هو الخاثر عند غيرنا؛
كنا نكتفي في طريقنا لدفع غائلة الجوع، وتقطيع اليوم، أو الليلة على ما أنعم الله ويسر، كنا نكتفي وتكون الأسرة عندنا من عشرة أفراد، بكيلو من اللبن نكسره بمثله من الماء، تفرم فيه مثله من الخيار، وتطعمه بقليل من الفوم أو الثوم مع النعناع، وتفت فيه مثله من الخبز اليابس، أو على لغة أهل حلب الميكين، أو إذا أردت أن أحسنه قليلا أقول الجيفر، ثم تجتمع الأسرة على ما أنعم الله…
عندما كانت جدتي رحمها الله، تحدثنا عن اسعار السلع في ايامهم فترانا مستغربين متشوقين، تظل تقول لنا تنبيها: يا ابني كان الجمل بعتميني وعتميني ما في. وهو مثل ماض ومشهور..
كان العتميني والبرغوث الصغير والبرغوث الكبير، والحمرة والنكلة والمتليك بعض العملات التي يتباهى بالقسم فيها الاولون..
احاديث الغلاء تقلق منا الكبير والصغير.
وقيل لسيدنا عمر - رضي الله عن سيدنا عمر ورغم أنف من يقليه- قيل له: غلا اللحم قال أرخصوه بالترك.
يتحدث الناس اليوم عن اسواق العيد، وعن غلاء الاسعار، وكنت ثالث أخوي رحمهما الله تعالى، وفي سني النمو من اعمارنا كان اكثر ثيابي، من مخلفاتهم..
تقول والدتي رحمها الله: صغر على اخيك وهو جديد، وأنا أدوره لك حتى كأنه جديد، إذا لم تكن تفقه معنى تدوير الثياب فلا أظنك حلبيا، ولا اظنك من الذين
تغدوا خيارا باللبن..
أو تعشوا الجبسة مع الجبن
أو قضوا يومهم على كيلو برغل مدقوق بالهون الكبير مع الفلفل ومية الفرنجي ورشة الملح والكمون..
ونسميها في حلب"الدقة" أو الكبة النية، المدسمة بزيت الزيتون…
أنا لا احفظ الأغاني ولكنني أحن إلى اغنية كان عنوانها:
على البساطة البساطة…
بتغديني خبز شعير وبتعشيني بطاطا..
فقط اريد أن اقول لمن حولي افرحوا إنه العيد..
صحن ست كليلة مزيون ومهيوب، ولا تنكسر لغير خالقك، وتذكروا البطن ما بتشف…
البطن ما بتشف ولا تجيبوها واطية…
ولم نثر على الاسدين لا من أجل المضغة ولا من اجل الهدمة..
جملها الله بالستر على طالبي الستر من الرزاق ذي القوة المتين