الفقه العُرفي…تأنَّ ولا تعجل عليّ…
زهير سالم
18/9/2026
حين نعدد مصادر التشريع الإسلامي نقول:
الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستحسان - عند من يقول به - والمصالح المرسلة والعُرف وسد الذرائع والاستصحاب…
لن نشتت موضوعنا فحديثي اليوم عن الفقه العرفي، الذي بني على عرف المسلمين في وطن من الاوطان، وزمن من الازمان…
ولأنني ضعيف وأخاف ممن يتشاطرون أقول: إن المنكر لا يكون عرفا في بلاد المسلمين. فإن كان في حقية من حقب الظلام، فالأولى بأولي الأحلام والنهى المسارعة إلى إنكاره وتغييره، أو على الأقل تثبيت نكارته في نفوس الناس…
ومن أجمل ما حفظت من كلام السادة الفقهاء عنوان "المعلوم من الدين بالضرورة" وعشت حتى علمت أن هذا المعلوم من الدين بالضرورة، يتفاوت بتفاوت الأوطان، وأن بحبوحة دار الإسلام كانت وما زالت: في الحجاز والشام ومصر ولولا شنيع ما أحدث الرافضة لقلت والعراق…
وأحفظ حكايات عن غرائب وعجائب بعض المسلمين في بلادهم ما لو فتحت لكم ديوانه لأغربت…
تذكرون في ثمانينات الاتحاد السوفياتي عالم مسلم حول موسكو، يحتفل بافتتاح مسجد بزجاجة شمبانيا!!
في ثمانينات القرن الماضي نفسها كنت في اسطنبول، وكانت الصحف التركية تعالج قضية: "ممتهنة" مشهورة تواعد زبونها وحين تكتشف أنه غير مختون، تأبى ، أن تخضع لكافر..والقصة صارت ميدانا للاخذ والرد..
وسمعت من أخ صاحب مكانة وجاه وأمسك عن ذكر البلد المسلم توقيرا لأهلها، يتحدث عن ممتهنة أخرى استضافت زبونها في نهار رمضان، وعندما طلب كاسا من الماء، صرخت في وجهه: مفطر ويا غيرة الدين!!
عجوز سبعيني حدثني منذ عقود وهو يستغفر الله يقول: ما كنا نعد قتل عابر السبيل شيئا إذا أعجبتنا دابته أو أعجبنا ثوبه!!
ولذا فإن عنوان المعروف من الدين بالضرورة كما ترون أصبح ضبابيا لصمت العلماء، وكثرة مداراتهم أو مواربتهم، ومنه نفهم أهمية إنكار المنكر بيد أو لسان أو قلب…
نحن في أقل ما نستطيع لا نجعل المنكر يستعلن في مجتمعنا حتى يظنه من يرى تسليمنا به معروفا…
الاستتار بالمعاصي يخفف من وقعها ونحن لم نؤمر أن نتسور الحيطان على الناس. ولم نؤمر بالولوج إلى غرف نومهم…
يقول التابعي: " أول ما رأيت المعصية بُلت الدم" ليس معنى قوله انه لم تكن معاصي قبلُ، ولكن معناه أن المعصية التي يجاهر بها حتى يراها في غير موطنها، في ساحات المسلمين، وعرصاتهم وبين دورهم وفي حضور المتلفعات منهن..كل هذا يجعل المسلم يعض أصابعه ويقول: ليتني مت ولم أسمع .، ولم أرَ…
كل هذا الذي سردت هو مدخل لبحث الفقه الاجتماعي
والفقه الاجتماعي الذي أقصد هو اعتماد ما اعتاده مجتمع مسلم من العوائد مرجعا للمختلفين في حال الاختلاف…
اضرب بعض الأمثلة للتقريب والتوضيح:
قسمة مهر المرأة إلى قسمين مقدم ومؤخر فقه اجتماعي اعتمده المجتمع ووافق عليه الفقهاء، تيسيرا لأمر الزواج. في حالة الزوج المقتر، لا يجد إلا القليل..
ثم تحويل مقدم المهر، إلى رأسمال يفرش به بيت الزوجية، فتهيئة بيت الزوجية هو في الأصل من واجب الرجل، ولكن لكثرة الرجال المفاليس، سن المجتمع ووافقهم الفقهاء، فليس في الشريعة ما يمنع، تقبض المرأة من الرجل مهرها باليمين، وتعيده إليه بالشمال، فتشتري كل الذي تعلمون، ويعينها ببعض الفضل أبوها وأخوها وعمها وخالها..
فالزواج في البداية مصلحة شرعية عامة،
وهو في النهاية مصلحة للطرفين..
أمور العرف لا تقتصر على الأمور الأسرية بل تتعدى إلى أمور التجارة والإجارة والرهن، وما ادري إذا كان أحد منكم قد مر به العنوان الحنفي " البيع بالوفاء" الذي يمكن المشتري أن يستفيد من المبيع ويقيده بإعادة البيع للبائع الأول فقط..
على قاعدة العرف تمكن الناس من بذل وفاء متعين لصاحب الحمام مقابل منفعة غير متعينة!! رجل يمكث في الحمام للاغتسال ساعة ورجل يمكث ثلاث ساعات، ورجل يغتسل بعشرين صاع من الماء، ورجل لا يكفيه الأربعون وكلهم حكم العرف أنهم يدفعون الوفاء نفسه…
وبهذه المعبار نفسه ندخل اليوم المطاعم المعنونة بالبوفيه المفتوح… وبعض الناس شعارهم أكل الرجال على قدر فعالها…
قرات كثيرا من العلماء يندد بالمفتي يفتي للقوم ولا يعلم عن عوائدهم واعرافهم.. ولذا اظل أندد بالفتوى تكون على الهواء…
وهؤلاء إخواننا في دمشق يظلون يتمدشقون علينا بإسلامهم الدمشقي!!
الخلاصة التي أريد أن اصل إليها:
الأعراف والعوائد ما دامت في بحبوحة المباح الشرعي لا نكران لها. فلكل مجتمع أن يختار من دائرة المشروع ما يكون الأنفع له..
والاستبدال بالمشروع المبني على العرف، والتخلي عنه إلى شبيه أو نظير ليس خروجا على الشريعة، ليس خروجا على الشريعة؛ بل نحن ما زلنا في بحبوحة المختار نختار…
ما أقره العرف الأول يمكن أن ينسخه العرف الثاني، ونقول عن مقررات العرفين: لا ضير…
الحبكة أو الحلكة الأكثر دقة: إلى أي حد راعى الشارع المعلم عرف قوم كان يعيش بينهم!!
نحن سمعناه يقول لأمنا عائشة صلى الله على نبينا ورحم أمنا:
لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة وبنيتها على أساس إبراهيم…
فهل من فقيه يفقه!! وهل من مجيب يجيب!!
لندن: 5/ ربيع الثاني/ 1448- 18/ 9/ 2026
زهير سالم: مدير مركز الشرق العربي