الإمام النووي.. السلطان الظاهر بيبرس… بساتين الغوطة…
زهير سالم
21/8/2026
حكيت لكم بالأمس عن جفوة كانت بين الإمام النووي، والسلطان الظاهر بيبرس..وحكيت لكم عن موقف الإمام النووي من الأكل من بساتين الغوطة..
عندما كتبت شعرت أن فراغا في ذاكرتي فعدت إليكم اليوم وقد ملأته…
نحن الآن في سنة: 667 هجرية- 1269 ميلادية
في هذه السنوات وقع الخلاف بين الإمام والسلطان حول بساتين الغوطة..
وكان هذا الخلاف من أشهر الحوادث في تاريخ الرجلين..
وكان الخلاف بين السلطان الظاهر بيبرس والإمام محيي الدين النووي حول أراضي الغوطة من أشهر الحوادث التاريخية التي تجسد ثبات العلماء في وجه السلطة، وتفاصيلها الموثقة كالتالي:
1. سبب الواقعة ورسم السلطان (سنة 667 هـ / 1269 م):
عقب الهجمات المتكررة للتتار وحاجة الدولة للمال لتجهيز الجيوش، قدم بعض أعوان السلطان بيبرس مشورة تقضي بأن معظم بساتين الغوطة بدمشق هي أوقاف بيت المال وليست ملكاً خاصاً لأهلها. فأصدر بيبرس مرسوماً (رسم سلطان) يطالب أهالي دمشق بإثبات ملكياتهم للبساتين والأراضي بالوثائق والحجج الشرعية، ومن يعجز عن الإثبات تُنتزع منه الأرض أو يلتزم بدفع ضريبة ثقيلة. وكان هذا إجراءً شاقاً لأن كثيراً من أوراق الملكية قدُمت مع تقادم الزمان أو ضاعت أثناء الغزو المغولي لدمشق (658 هـ).
تداعى المتضررون من المرسوم السلطاني من أهالي دمشق ، واشتكوا إلى الإمام النووي، وكان وقتها رئيس دار الحديث الأشرفية، ليشفّع لهم عند السلطان. كتب الإمام النووي رسالة شديدة اللهجة إلى السلطان الطاهر بيبرس يذكره فيها بالله، ويؤكد أن أهالي دمشق يحوزون هذه الأراضي مستصحبين الأصل الشرعي للملكية، وأن بيت المال لا يحل له أخذ أموال المسلمين بغير حق.
ولما لم يرجع السلطان عن إجرائه، دخل عليه الإمام النووي بنفسه في مجلسه بدمشق. ودار بينهما مراجعة حادة؛ حيث قال له الإمام: "يا مولانا، أنت كنت عبداً مملوكاً لا ملك لك، فمنّ الله عليك وجعلك ملكاً، فلا تقابل نعم الله بظلم رعيته". غضب بيبرس من هذه العبارة، وأمر بقطع أرزاق الإمام وعزله من وظائفه، فقيل له: "إنه ليس له وظيفة ولا يتناول من بيت المال فلساً واحدا!! "حيث كان الإمام يتعيش من نفقة يرسلها له والده من قريته "نوى".
أكتب اليوم أنا زهير وحيّ الله أهل نوى أبا وجدا..
إلغاء الرسم الذي رسمه السلطان. ورد المظالم على أهلها نزولا عند ثبات الإمام النووي ومؤازرة لفيف من العلماء له (مثل الشيخ إبراهيم بن أبا بكر) وتخوف السلطان من اضطراب الرعية، أبطل . وتخوف السلطان بيبرس من انقلاب الرعية علبه. فأبطل الرسم ورفع المظلمة عن أهل الغوطة.
ولكن استمرت الجفوة في قلب السلطان بيبرس، للكلمة القاسية التي واجه بها الإمام السلطان حين ذكره بأنه كان عبدا مملوكا!! وأمر السلطان بإخراج الإمام النووي من دمشق، فخرج الإمام متوجهاً إلى مسقط رأسه "نوى" وأقام فيها!!
أما موقف الإمام النووي رحمه الله تعالى من ثمار الغوطة فلم يثبت في المصادر التاريخية المعتمدة (كـ البداية والنهاية لابن كثير أو طبقات الشافعية للسبكي) أن الإمام امتنع عن أكل ثمار الغوطة بناءً على هذه الحادثة تحديداً، بل الحقيقة التاريخية الثابتة هي أن الإمام النووي كان لا يأكل من الفواكه والثمار المطروحة في دمشق طوال حياته؛ لتداخل أموال الأوقاف والشبهات في بساتينها، ولكون كثير من أراضيها يعود لمصالح القاصرين، وكان يكتفي بما يأتيه من قرية "نوى".
بعض المصادر الموثِقة
تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 667 هـ وفي ترجمة الإمام النووي).
البداية والنهاية لابن كثير (الجزء 13، أحداث سنة 667 هـ وسنة 676 هـ).
طبقات الشافعية الكبرى للتاج السبكي (ترجمة الإمام النووي).
واستعنت بالجيميني من خدمة الذكاء الاصطناعي
زهير سالم