أصحاب الحضرة والهوائيات المعطلة…
زهير سالم
30/4/2026
وأصحاب الحضرة الذين أقصدهم، ليسوا السادة السالكين اصحاب الطريق، الذين يجعلون من الاجتماع على إظهار وجدهم، محاولة للإقلاع إلى عوالم لا يدرك آفاقها إلا العالمون…
حين تسبّح فتأوب معك الجبال كما أوّلت مع دادو عليه السلام الجبال، تدرك معنى ذلك التحليق وذلك الحضور.
في ثقافتنا الاجتماعية كنا نرمز بقولنا، صاحب الحضرة، وأصحاب الحضرة، للأشخاص الذين إذا خاطبناهم من قريب أو من بعيد؛ أشرنا إلى أحدهم بقولنا: حضرتك.. وحضرتكم.. وجنابك.. وجنابكم..
في المحضن الذي تربينا فيه كان من المعيب أنه إذا أراد تلميذ أن يحاور استاذه أو شيخه أو أي صاحب مقام في الحياة، أن يقول له: أنت.. حافية قاسية جافية…
بل يقول له: حضرتك.. أو حضرتكم.. أو جنابك أو جنابكم…
هو نوع من أدب الخطاب نسأل الله تعالى أن يحققنا به، وفيه…
وإنما اندلقت علينا هذه الأساليب الحافية الجافية في التعبير بعد الثورتين اللينينية الستالينية والماوية بأبعادهما، وبعد ما آل إليه أمرنا في الشام من "الثورة البعثية".. وشعارات الحقد المقدس بأبعادها التي علمنا منها ما علمنا..
وأعود إلى رسالتي إلى أصحاب الحضرات والمقامات، والهيئات والمسؤوليات، والأبواب المقنطرة، التي بجب على الجمّال أن يراعيها في باب داره..
وحكاية الهوائي الذي يجمع على هوائيات، باقية في ذاكرتي من أيام الراديو أبو صندوق، الذي كان يبث على الموجات الطويلة والمتوسطة والقصيرة..
وكان على كل صاحب حضرة أو مقام معني بالشأن العام أن يمد هذا الهوائي عاليا، ليستقبل الموجات الأكثر قصرا، لكي لا تخفى عليه نأمة للأخبار يستمعها يتأملها يقرر فيها، يعلن موقفه منها.
وما العمل السياسي في خلاصته إلا تحديد موقف من الأفكار والأحداث، والحدب على هذا الموقف تحقيقا أو دفعا..
في ملعب الكرة، جوهر اللعبة، من يسيطر على الكرة، من يحركها، من يسددها فيحقق الهدف، ولا يشوطها بعيدا وتطلللع أوت، كما كان يقول المرحوم عدنان بوظو، انا لا احفظ غير اسمه سامحوني، او تضرب بالعارضة، أو تمر عالية كتييرمن فوق المرمى…
في عصر ما بعد الحضرات وأصحاب الجناب، بعض هولاء يظنون أن الصدر، صدر المجلس حيث يجلسون. صار الناس يداعبونهم فيقولون: حسبنا الباشا باشا طلع الباشا زلمة.
ظن بعض هؤلاء أن الصدر الأعظم هو كرسي أو مكان محجوز على قوس الدائرة..لم يحفظوا:
صدر المجالس حيث حلّ لبيبُها..
فكن اللبيب وأنت صدر المجلس
عندما فجر الشريف المرتضي بحق المعري، وقال لحراسه: أخرجوا هذا الكلب من المجلس!!
أجابه أبو العلاء المعري، ويومها كانت معرة النعمان كما يقرر ياقوت الحموي، الذي أقام في حلب ودفن فيها من أعمال حلب: الكلب من لا يحفظ للكلب مائة اسم..
أبو العلاء المعري الذي كتب فأبدع رسالة الغفران، تفاعلا مع رسالة وصلته من حلب كتبها إليه نجيه الأديب ابن القارح..
واعود…
تمر بنا في كل يوم عشرات الاحداث والوقائع من الأعم والأخص تقتضي من أصحاب الحضرة والجناب والمقام أن يقولوا…!!
ويستمرون كل في بيدائه !! وهذا ما زال ينظر في عطفيه، وذاك ما زال مشغولا بتعطير لحيته وشارببه…قالت الفرس في حكمتها: "من أحب أن تطول لحيته فليمشطها من أسفل"
يقولون له: سرقوا الصندوق يا بو لمعة!!
يجيبهم: معليش مفتاحو معايا…
يقول لهم الله تبارك وتعالى أمرا، والأمر عند الأصوليين، للوجوب: "وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا"
وكم من تحية.. عَرضت فحجبت حتى ذكرتك بتحية عروة ابن اذينة…
حجبت تحيتها فقلت لصاحبي..
ما كان أكثرها لنا وأقلها…
أما بعد أيها الناس…
فإن ما أعلنه السيد وليد كمال جنبلاط، سبط شكيب أرسلان؛ في لقائه مع الصحفي اللامع احمد منصور، تحت عنوان الانشقاقات الكبرى في تاريخ الإسلام، وما تستحق هذه الانشقاقات من مراجعات لكلامٌ يستحق أن يحتفى به؛ وأن يستقبله اصحابه من رجال السياسة وأهل الدين والعلم والفكر والكياسة…
كانوا يقولون: السياسي الناجح الذي يصل ولا يقطع، والسياسي الأرعن الذي يكون للقطع أسرع منه للوصل..
وقالت العامة في بلدنا…
صاحب الحضرة: الذي يحل ويربط…
وأكملوا: عن الآخر الذي لا يحل ولا يربط..
وسموه، بنحت على مقاسه. وكل من انشق عن يوم السقيفة، فانشقاقه موجود. وكل من رغب عن الصلاة وراء سيدنا أبي بكر يوم أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: مروا أبا بكر فليصل في الناس، فقد أبق…
يقول الزنديق محمد بن سعيد المصلوب للمهدي وقد أمر بقتله: لقد وضعت على نبيكم كذا ألف حديث حرمت فيها الحلال، وحرمت الحلال!!
سوس علق بأصول الشجر فنخره وما يزال. وهذا كبير قوم يدعو للمراجعة والتراجع. والكف عن الهرج والهرش..،
ويأبوا إذ بختمون تلاوتهم للقرآن إلا أن يقولوا: صدق الله العلي العظيم.
وعلى وليد بك جنبلاط السلام والرحمة والبركات
كان جدكم الأمير شكيب رحمه الله تعالى يلقب عند أبناء جيله: أمير البيان…وقد رثاه عند وفاته وعلى ضريحه الدكتور مصطفى السباعي المؤسس الاول لجماعة الإخوان المسلمين في سورية بقصيدة فيها قبس من وفاء الأوفياء:
سلام عليك أبا غالب…
أمير الجهاد أمير القلم
هتكت برأيك حجب الظلام
وثرت إباء إذا الخطب عم..
فخضت الغمار وصنت الذمار
وكنت الإمامَ وكنت العلم
نعم ليعد الفرع إلى أصله. وكفى شرودا فطالما أرهق أمتنا هذا الشرود..
لندن: 6: ذو العقدة: 1447- 30/ 4 / 2026
زهير سالم: مدير مركز الشرق العربي