الرئيسة \  دراسات  \  الإعجاز الآرامي في تفسير الحروف المقطعة

الإعجاز الآرامي في تفسير الحروف المقطعة

17.11.2016
زهير سالم




ومن حق صاحب كل رأي أن يُسمع بعلم ، من قبل أهل العلم . ولا يجوز تقديم إساءة الظن بصاحب رأي يعرض رأيا باسم العلم والدين إلا بعد عرضه على ( الذين يستنبطونه ) من أهل العلم والدين .
 قد يكون صاحب الرأي مصيبا أو مريبا أو مخلطا فلا هو هذا ولا هو ذاك ؛ ليبقى أن ( الهيام ) وراء الهائمين في وديانهم ليس من شأن أهل الثقة والعقل . وترداد ما يقوله القوالون لمجرد أنهم يدخلون علينا من باب (صلوا على النبي) ، والتأكيد على أنهم ( يعززون ) دعوة فعلا غير رشيد ولا يليق بالراشدين .
مع الأسف وهكذا انتشرت على صفحات الواتس والفيس وغيرهما من وسائل التواصل ( هياما ) بما نشره المدعو ( لؤي شريف ) تحت عنوان ( التفسير الآرامي للحروف المقطعة ) ، وكثر ترداد ( المطيبيين ) حول ما قرر: ( ما شاء الله ) و( الله أكبر ) .
يقول الرجل: أنا لا أدعي ، وأنا أحاول ، وخذوا كلامي وتطبيقاتي واعرضوها على أهل العلم ؛ وكأنه بذلك يقطع الطريق على كل من يحاول أن يفكر ، لثبت بأنه : واثق الخطوة يمشي الذي يمشي ملكا . ومرة أخرى : نأسف لكثرة المطيبين.
يزعم لؤي شريف أنه ( عاشق لغات شرقية ) ونعم العشق ، ثم يقع في أخطاء فادحة في المقدمات ، وليس في التطبيقات التي لا نستطيع أن نجاريه الادعاء فيها . كما يقوم فيما يقرر بعملية انزياح خطيرة في إجرائه للتطبيقات ، ما كان لها أن تغيب عن عقول حتى (المقتصدين) في قضايا المنهج والتفكير .
لن نخوض في التنبيه على مواطن الزلل ، بل الريبة ، فيما ادعاه لؤي ، في قضية وجود غير العربي في القرآن الكريم . فهي قضية خلافية قديمة بين علماء اللغة والتفسير والمدققين في علوم القرآن . قضية اختلف فيها العلماء بين القائلين بوجود ألفاظ غير عربية في القرآن الكريم، ومن لغات شتى ، وان مجرد استعمال القرآن الكريم لهذه اللغات يعربها . وبين نفاة وجود غير العربي في كتاب الله ، حيث يذهب هؤلاء إلى أن ما وجد من ألفاظ تتوافق مع لغات أخرى هي من المشترك بين العربية وغيرها . ويتصور هؤلاء أن تواطؤا قد حصل بين العرب وغيرهم على وضع لفظ لمعنى . وربما يكفي للإشارة إلى حجم الموضوع أن نذكر الجواليقي حوالي 460 – 540 هجرية ، قد وضع كتابا على حروف المعجم ، أي معجما أسماه ( بالمعرب ) ، حاول فيه ، أن يجمع كل الألفاظ التي يرى أن القرآن الكريم استعملها أو عربها ، وهي من أصول غير عربية .
ونعود إلى مقطع واحد استمعت فيه إلى ( لؤي شريف ) ، وهو اسم غريب على العربية السعودية ، أورد فيه تطبيقات لتفسير ( الم ) ( الر ) و( طه ) و( كهيعص ) . ولن ادخل معه في نقاش عملية إجراء التطبيق ، لأنني لا أملك الأداة التي تعينني على ذلك ، ولكن سأناقشه في محطتين خطيرتين من مقدماته ، أكرر أنها لم يكن لها أن تمر على (المقتصدين ) من المثقفين .
نقف أولا عند قول صاحب النظرية الجديدة في تفسير ما خفي على العلماء الأولين من أمر الحروف المقطعة : إن اللغة السريانية هي أصل اللغة العربية . وان أصل الحروف العربية هي الحروف السريانية الاثنان والعشرون . وان أصل الحروف السريانية لها معان خلاف الحروف العربية .
ومن غير استصغار لصاحب هذا الكلام ، ولا تعصب للغة العرب ضد اللغة السريانية نؤكد : أن كل ما أورده صاحب هذا الكلام حول العربية والسريانية والآرامية والعبرية : خبط وخلط ولا ينتمي إلى شيء من حقائق العلم.
إن أي دارس لعلوم اللغات سيستوقفه بلا شك في تصنيفات اللغات الإنسانية عنوان جامع اسمه ( اللغة السامية ) ، الذي كان حتى عهد قريب يضم تحت جناحه حزمة من اللغات المتعددة المتقاربة ، التي تصورها العلماء الجادون فروعا نمت من أصل واحد. ثم عادوا ليؤكدوا أن هذا الأصل ( المتصور أو المتخيل ) ، هو بحد ذاته فرع من أصل افترضوه ( أفرو- أسيويا ) ، يجمع لغات أكثر تباعدا ، انتشرت على الشواطئ الجنوبية والشرقية للمتوسط .
في تجسدات اللغة السامية الأولى كان الموطن الأول المقترح يتركز بين شواطئ المتوسط ، وغرب دجلة وشمال بلاد الشام أو جنوب جزيرة العرب .
وفي الحديث عن فروع الأسرة السامية كانت تذكر الحميرية والأمهرية والعربية والآرامية والكنعانية والعبرية والسريانية . لم يجرؤ عالم لغة موثوق أن يزعم أن واحدة من هذه اللغات هي الأصل لأخواتها . حتى المتعصبون للعربية لم يستطيعوا مع ما في أيديهم من مسوغ ديني إلى الزعم أن العربية كانت هي الأصل . بل إن أمثلهم طريقة هو الذي يقول إن هذه اللغات مجرد لهجات للغة واحدة مفترضة في حيز مكاني وزماني مفتوح ، زادها التباعد الظرفي : المكاني والزماني تباينا ، دون أن يخفى أصلها الواحد .
لعبت عوامل جغرافية وثقافية وسياسية ودينية في تطور هذه اللغات . المفترض أن السيد المسيح قد تكلم الآرامية ، وأن النسخ الأولى من الإنجيل كتبت بها ، ثم تقدمت السريانية وأصبحت لغة الكنيسة في عصر نزول القرآن ، وربما سبقت اللغة السريانية إلى التوثيق ؛ ولكن لا أحد يحترم ما يقرر، يستطيع أن يزعم أن السريانية كانت أصل العربية ولا أصل العبرية ولا الآرامية . لهجات استعلت مع استعلاء الناطقين بها ، ثم جاء القرآن ليقول للجميع : طلع الصباح فأطفئ القنديلا ، ولتستعلي العربية وتسود .
وهكذا تسقط مقدمة ( لؤي شريف ) الأولى ، أن السريانية أصل العربية وأن الحروف السريانية هي أصل الحروف العربية ، وان السين هي الشين .
ثم نعود إلى ما قرره صاحب نظرية التفسير الآرامي للأحرف المقطعة ، في كرة أخرى ، لنقف عند قوله : إن للحروف في السريانية معان وهي ليست كذلك في العربية . وهو زعم باطل أيضا لا يقوم على حقيقة . وبهدمه تنهدم تلقائيا كل ادعاءاته التفسيرية .
للبيان نحب أن نبين أن الأحرف في اللغة أو اللغات السامية المتعددة تحملت قيما رقمية فيما نسميه حساب الجمل حسب ترتيب ( أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ..) وهو ترتيب غير ترتيب ( الألفباء ) فقيم الأحرف العشرة الأولى كالأرقام العشرة الأولى ، ثم نعد عشرة عشرين ثلاثين . وهي ظاهرة مشتركة ومعتبرة بين العديد من اللغات السامية ولاسيما السريانية والآرامية . ربما كان هذا التحميل جاء متأخرا ، وارتبط ارتباطات ثقافية أو حضارية .
ولكن هذا لا يستتبع أن يكون للحرف في حد ذاته معنى قائم بنفسه . بمعنى أن يكون لقولنا ( باء ) معنى ، ولقولنا ( تاء ) آخر , وهذا الذي نناقشه هنا . إذا تذكرنا الأسلوب التعليمي القديم الذي ربط الحرف بالصورة والاسم لتسهيل التعليم على الأطفال ، فنقول أ أسد – ب بقرة . هذه المحاولة التعليمية هي التي تأسر الرجل ، فيلزم الحرف معنى الصورة ، على الطريقة المعجمية ، بأسلوب يثير النكارة والاستغراب .وربما لو ذهبنا في تفسير هذه الظاهرة أبعد لوصلنا إلى المرحلة التاريخية التي كانت فيها الكتابة يرمز لها بالصورة . قبل أن يخترع الأوغارتيون ، وليس السريان، لحرف .  
ونختم عند المحطة الأكثر إثارة للريبة ، في بحث الباحث الذي يدعي عشق اللغات الشرقية . فهو بعد أن عنون بحثه بالحديث عن ( التفسير الآرامي ) والتطبيق على الحروف الآرامية وهي غير السريانية بكل تأكيد ، انزاح عن عنوانه باستغفالنا إلى حد كبير ، واعترف أنه لا يجيد الآرامية ، وأنه ببساطة سيجري تطبيقاته على الحروف ( العبرية ) ، وهكذا أخذنا إلى العهد القديم ( التوراة ) ليقوم بتفسير حروف أوائل السور حسب معطياتها. ربما لا اعتراض ولكن مفهوم ...، مفهوم أيها الطيبون المطيبون ( وهزو لعزو ) لعله يصحو من غفلته
إن أي كتاب تفسير أو نحو أو لغة سيخبرك سيد ( لؤي ) أن قولنا : آمين هو اسم فعل أمر بمعنى استجب وهو لفظ أصيل في اللغات السامية جميعا لم يأخذه العرب عن العبرانيين ولا عن الآراميين ولا عن السريان ، ولا أخذه أولئك عن هؤلاء ...
 
لندن: 17 / صفر / 1438
17 / 11 / 2016
----------------
*مدير مركز الشرق العربي
[email protected]